تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما بعد ، فإن للأدب روحه وسيرته، وإن للأدباء أقوالا قد يروحون بها على أنفسهم أحيانا من غير إخلال بشريعة المروءة ولا هتك لسجف الوقار. ونعوذ بالله ممن لم يرم في الأدب وأريحيته بسهم ولا مالت له إلى منازعه عين. فيتجهم حيث يذوب الأدباء أريحية ،ويعبس ويبسر في المقام الذي يقطرون فيه بشاشة، تخلقا بأخلاق الأجلاف. وانتباذا عن طريقة الأدباء من أفاضل الأسلاف. وميلا إلى النسك الأعجمي. ونعوذ بالله من قوم خلقوا من الكثافة فلا تجد روح الأدب إليهم متسربا .

عجبا لقوم لم تكن مهجاتهم

لهوى ولا أجسادهم لنحول

دقت معاني الحب عن أذواقهم

فتأولوه أقبح التأويل

هذا فقد كانت صدرت عن هذا العبد المتشبث بذيل الأدباء. قصيدة في وصف أكل العصيدة. ولقولها سبب خاص وهو ذلك أنني كنت في عشية يوم من أيام رمضان1356 هـ جالسا في الدار بإلْغ ([66]) مع الأخ سيدي بلقاسم بن محمد ([67]) من أبناء عمومتنا ،فعند الإفطار أتينا بعصيدة من ذرة بيضاء فاهتبلنا بها حين لم يتأت لنا سواها لعدم اللحم في الأسواق في تلك المسغبة الشديدة. فتجاذبنا خصال هذا النوع من الأطعمة. فقلت له إنني حين كنت بمراكش كنت كثيرا ما أتشهى العصيدة ، أفلا يحق علي الآن أن أشكر الله حين تهيأت لي اليوم.

ثم قلت له إن العصيدة من الذرة البيضاء نعمة ما مثلها نعمة ،وإن الالتفات إلى الإشادة بها دين القوافي فلنعالج ذلك، ولنصف كيف تؤكل وصفا شعريا جذابا .فافتتحنا القصيدة حتى وصلنا فيها بضعة عشر بيتا فراح إلى داره ،فأكببت على الباقي فأتممتها زهاء سبعين بيتا. ثم نقحتها وهذبتها على حسب وسعي ففي الغد حين رآها الفقيه سيدي بلقاسم أظهر عجبا زائدا ، وقال حقا إن هذه القصيدة أدت دين العصيدة على القوافي. ثم أشهرناها للأدباء الإلغيين فزعموا أنها فريدة في بابها. إلا من لا يذوق الأدب فرأى أن هذا هو النهم بعينه. هذا ما كان منذ سنتين.

موسوعة الشعر الإسلامي · الصفحة ٥٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الشعر الإسلاميص ٥٥٧