أعيا الورى فَهْمُ معناهُ فليسَ يُرَى
في القُرْبِ والبُعدِ فيه غيرُ مُنفَحِمِ
كالشمسِ تظهَرُ للعينَيْنِ مِن بُعُدٍ
صغيرةً وتُكِلُّ الطَّرْفَ مِن أَمَمِ
وكيفَ يُدرِكُ في الدنيا حقيقَتَهُ
قَوْمٌ نِيَامٌ تَسَلَّوا عنه بالحُلُمِ
فمَبْلَغُ العِلمِ فيه أنه بَشَرٌ
وأَنَّهُ خيرُ خلْقِ الله كُلِّهِمِ
أكرِمْ بخَلْقِ نبيٍّ زانَهُ خُلُقٌ
بالحُسنِ مشتَمِلٌ بالبِشْرِ مُتَّسِمِ
أبانَ مولِدُهُ عن طِيبِ عنصُرِهِ
يا طِيبَ مُبتَدَاٍ منه ومُختَتَمِ
يَومٌ تَفَرَّسَ فيه الفُرسُ أنَّهُمُ
قَد أُنذِرُوا بِحُلُولِ البُؤسِ والنِّقَمِ
وباتَ اِيوَانُ كِسرَى وَهْوَ مُنْصَدِعٌ
كَشَملِ أصحابِ كِسرَى غيرَ مُلتَئِمِ
والنارُ خامِدَةُ الأنفاسِ مِن أَسَفٍ
عليه والنهرُ ساهي العَيْنِ مِن سَدَمِ
وساءَ ساوَةَ أنْ غاضَتْ بُحَيرَتُهَا
وَرُدَّ وارِدُهَا بالغَيْظِ حينَ ظَمِي
كأَنَّ بالنارِ ما بالماءِ مِن بَلَلٍ
حُزْنَاً وبالماءِ ما بالنار مِن ضَرَمِ
والجِنُّ تَهتِفُ والأنوارُ ساطِعَةٌ
والحقُّ يظهَرُ مِن معنىً ومِن كَلِمِ
مِن بعدِ ما أخبَرَ الأقوامَ كاهِنُهُم
بأنَّ دينَهُمُ المُعوَجَّ لم يَقُمِ
وبعد ما عاينُوا في الأُفقِِ مِن شُهُبٍ
مُنقَضَّةٍ وَفقَ ما في الأرضِ مِن صَنَمِ
حتى غَدا عن طريقِ الوَحيِ مُنهَزِمٌ
مِن الشياطينِ يقفُو اِثْرَ مُنهَزِمِ
كأنَّهُم هَرَبَا أبطالُ أبْرَهَةٍ
أو عَسكَرٍ بالحَصَى مِن راحَتَيْهِ رُمِي
نَبْذَا به بَعدَ تسبيحٍ بِبَطنِهِمَا
نَبْذَ المُسَبِّحِ مِن أحشاءِ ملتَقِمِ
جاءت لِدَعوَتِهِ الأشجارُ ساجِدَةً
تمشِي اِليه على ساقٍ بلا قَدَمِ
كأنَّمَا سَطَرَتْ سطرا لِمَا كَتَبَتْ
فُرُوعُهَا مِن بديعِ الخَطِّ بالَّلقَمِ
مثلَ الغمامَةِ أَنَّى سارَ سائِرَةً
تَقِيهِ حَرَّ وَطِيسٍ للهَجِيرِ حَمِي
وما حوى الغارُ مِن خيرٍ ومِن كَرَمِ
وكُلُّ طَرْفٍ مِنَ الكفارِ عنه عَمِي