المعنى } إن هذا اللبن الصافي الحلو الذي لم يتأثر بإنائه ولا خالطه ماء ،قد زينته في ذلك القعب الذي كان فيه بقايا قطع صغيرة من الزبدة تذهب وتجيء وتأتي عليه وعليها لمعان فيزداد بها وجه ذلك اللبن حسنا إلى حسن وما سبب وجود تلك البقايا من الزبد على ذلك اللبن إلا كونه ممخوضا بأيدي نساء غير حاذقات في جمع الزبد ولذلك غادرت ما غادرت مما نراه يلمع فوق لبن القعب . ثم قال:
وتعلوه أمثال القباب سميكة
زجاجية لمَّاعة تتألّق
القباب كصحاب جمع قبة والمقصود بها هنا ما يبنى على الأضرحة لأنها تكون بيضاء مسموكة مستديرة الأعالي . وسمك البناء ككتب رفعه والسميكة المسموكة أي المرفوعة ولمّاع فعال من أمثلة المبالغة من اللمعان وقد تقدم تفسيره كما تقدم تفسير التألق .
﴿المعنى﴾ إن ذلك اللبن الصافي الحلو المزدان في إنائه ببقايا الزبدة الواضحة على وجهه المترقرقة عليه ، تتراءى فوقه أيضا فقاقيع كأنها قباب مبنية مرفوعة من الزجاج الصافي اللون الذي لا يحجب البصر عما في داخله ، ولها لمعان كثير وبرقان واستنارة كلما جال فيها البصر.
ثم قال:
فأجرع منه جرعة بعد جرعة ([79])
كما يحتسي الفحل الذي يترمَق
هذا البيت مرتب على البيت وأدني القعب ..الخ. الجرعة مثلث الجيم الحسوة من الماء يقال جرعت الماء كفرح ومنع والاحتساء شرب الماء شيئا فشيئا والحسوة القليل منه . والفحل الذكر من كل حيوان والمقصود هنا الجمل فإنه هو المعتاد منه مثل هذا الشرب الذي يذكره الشاعر . وترمق الشارب اللبن شربه قليلا قليلا والماء وغيره حساه حسوة بعد حسوة.
﴿المعنى ﴾ إنني بعدما أدنيَ إليّ ذلك القعب وقد تهيأت للجفنة ، أتناول من ذلك اللبن جرعات آخذها شيئا فشيئا ولاجتراعي صرت كما يكون للفحل من الإبل إذا كان يشرب من الماء شيئا فشيئا وما تصويتي بذلك إلا لألتذ بالسماع كما ألتذ بالذوق:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر
ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
ثم قال: