المعنى} إن تلك العصيدة هي عصيدة الذرة بلا شك ولا ريب، وآية ذلك أنها بيضاء لمّاعة تستنير عند رؤيتها كما تلمع أسنان الثغر الفلجاء عند تبسم جميل وضيء الوجه وقد تلألأت الأسنان بالشنب الذي تزداد به الأسنان بياضا. ولاسيما عندما تستدير بها الشفاه اللعساء وهي التي تميل إلى سمرة قليلا. ولا ينسين القارئ أن العصيدة التي توصف هنا هي المصنوعة من الذرة البيضاء لا الحمراء. والعصائد تختلف ألوانها بحسب ما تصنع منه. ولا يبيض منها بياضا ناصعا إلا ما يصنع من الذرة البيضاء بالنظر إلى الأنواع التي تؤخذ منها العصيدة في بلادنا هذه. ثم قال :
تميس بلون الثلج أبيض ناصعا
متى جال فيها لحظ غرثان يشهق
ماس يميس كباع يبيع : تبختر في ثيابه وتمايل عند مشيته. والمقصود هنا تموّج البياض المتلألئ شبه البرقان الذي يتراءى للعين كأنه يتحرك من جانب إلى جانب بتبختر الماشي في حلة بيضاء. وأبيض ناصع :خالص البياض نصع كمنع نصاعة ونصوعا. ويستعمل مع كل لون وغيره ويقصد به أن يكون خالصا ونصع لونه اشتد بياضه، هذه عبارتهم. والغرثان كعطشان :الجائع غرث جاع يقال رجل غرثان وامرأة غرثى وشهق كمنع وضرب وسمع . شهيقا وشهاقا وتشهاقا بالفتح :تردد البكاء في صدره وشهيق الحمار نهاقه. والمقصود هنا به الصراخ وإرسال الصيحة التي تصدر بغتة من غير أن يستعد لها صاحبها كالتي يرسلها كل من يبغت بشيء لم يكن ينتظره. وقصد مثل هذا المعنى الخاص إزاء ذلك المعنى اللغوي الذي ذكروه مرتكز على المجاز.ويستعمل هذا المعنى كثيرا في هذه اللفظة في ألفاظ المعاصرين.
﴿المعنى ﴾ إن تلك العصيدة يتموج لونها الأبيض المشبه للثلج في صفاء البياض ومتى وقعت عليها عين جائع لا يملك نفسه حتى تنصدر منه بغتة صيحة عالية من شدة شرهه إليها. ولمّا يغلب عليه انجذابه إليها بما يغمره من حسنها ورونقها وبياضها الناصع الخالص. ثم قال:
لها قمّة في وسطها حوض زبدة