نخلص من كل ما مر أن قصيدة العصيدة وشرحها الموسوم " الثريدة المناغية للعصيدة " تبرز جوانب متنوعة من شخصية محمد المختار السوسي الفكرية والعلمية ، يمكن إجمالها في ما يلي:
^ الجانب الأدبي الأريحي ، ويتجلى في أن السوسي أريحي يحب الانطلاق في مجالات الأدب الفسيحة ؛ رغم أنه ينتمي إلى طائفة العلماء الذين كان كثير منهم ينظر إلى الأدب بعين الانتقاص ويعتبر التعرض لمثل هذه الموضوعات مما يزري بالمروءة ، وهذه الأريحية هي التي دفعت السوسي إلى نظم قصيدته في هذا الموضوع الطريف الذي لا يتناوله إلا من كان أريحيا ظريفا يعشق الأدب ويرى الاشتغال به خير ما يروح به عن نفسه جامعا بين الإمتاع والإفادة ، ([58]) وتستولي عليه الأريحية عندما يتعرض لشرح بعض الأبيات التي تصف كيفية تناول العصيدة فلا يملك نفسه من التعبير عن شعوره كما في قوله :
أخضخض فيها خضخضات بهمة
يكاد بها حرف الإناء يشَّقَق ([59])
قال في شرح معنى هذا البيت :" إنني بعد أن أصب اللبن أمعن في الجدح فأحرك ما في الحفرة مع العصيدة تحريكا شديدا وأنا مكب على العمل بكل قوتي باذل كل جهدي ، حتى يكاد جانب الجفنة الذي أجدح في جهته يتشقق يا سلام يا سلام.. ! ! ! " ( [60])
كما تبرز أريحيته في ما أورده في الشرح من مقطعات هزلية ساخرة كإدراج أبيات في هجاء أكول قال : " وصف الأكول النهم .. ميدان كان الشعراء قديما وحديثا قد وصفوه وصفا بليغا ولعل أبلغ ما نستحضره للمتأخرين قول محمد بن الشيخ سيديا الصحراوي ([61]) في حدَّاد أسود ورد عليهم يدَّعي الشرف النبوي ثم بان أنّه أَفِكَ فيما يقول . فقال فيه وكان اسم الحداد "نحن" :
ما هزَّ عِطْفَيْ كَمِيٍّ يوم هيجا
بين الأواني كذي النونين والحاء
فرد يقوم مقام الجمع وهو لذا
يدعى بمضمر جمع بين أسماء
تخال لقمته العظمى براحته
كراكر الإبل أو جماجم الشاء
يسطوا بأسلحة للأكل أربعة
يد وفم وبلعوم وأمعاء