وكالأعشى الكبير ميمون بن قيس الذي مدح النبي -صلى الله عليه وسلم- بقصيدة رائعة، وجاء بها لِيُسلِمَ عنده ويلقيها بين يديه، ولكن قريشًا أغرته بالدنيا فعاد ومات كافرًا. ومن قصيدته قوله:
نبي يرى ما لا ترون، وذكره أغار –لعمري- في البلاد وأنجدَا
له صَدَقاتٌ ما تُغِبُّ ونائل وليس عطاءُ اليوم مانعه غدا
وهكذا اتصل مدح النبي -صلى الله عليه وسلم- في حياته، ورثاؤه بعد مماته،وذكر أخلاقه وأوصافه عند أصحابه والتابعين دون غلو أو تجاوز لحدود المشروع.
وبعد قيام دولة بني أمية والحوادث التي جرت لآل بيت علي بن أبي طالب -رضي الله عنها- وتشيُّع من تشيَّع لهم بدأت المبالغة في مدحهم والثناءعليهم، حتى اشهتر شعراء بذلك، وأكثروا منه، كالكميت الأسدي، ودعبل الخزاعي، والشريف الرضى، ومهيار الديلمي، وهؤلاء جاءت مبالغتهم من غلوهم في رجالات آل البيت، وتفضيلهم على من يرونهم أعداء لهم من الأمويين وغيرهم، فموقفهم في الحقيقة سياسي أكثر من كونه معتمدًا على إقناعاتهم الشرعية، فلهذا جاء كلامهم على آل علي بن أبي طالب -رضي الله عنها- دون غيرهم، حتى النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل قليل مديحهم له في مقابل لآل بيت علي بن أبي طالب -رضي الله عنها-.
ومن أشعارهم هاشميات الكميت وأشهرها: البائيتان واللامية والميمية، يقول في إحدى البائيتين:
إلى النفر البيض الذين بحبِّهم إلى الله فيما نالني أتقرب
بني هاشم رهط النبي فإنني بهم ولهم أرضى مرارًا وأغضب
وما جاء عن هؤلاء من المدح الخاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يكاد يكون مدحًا معتادًا لا نجد فيه ما سنجده في مدائح الصوفية في القرن السابع، ومن ذلك قول الكميت:
وأنت أمين الله في الناس كلهم عليها وفيها احتار شرق ومغرب
فبُوركت مولودًا وبوركت ناشئًا وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب
وبورك قبرٌ أنت فيه وبوركت به وله أهل لذلك يثربُ