وقتل من المسلمين رجلان أخطآ الطريق، أحدهما كرز بن جابر الفهري، والآخر خالد الأشقر الخزاعي, وضربت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبة من أدم بالحجون, فمضى الزبير بن العوام برايته حتى ركزها عندها, وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلها, فقيل له: ألا تنزل منزلك؟ فقال: وهل ترك عقيل لنا منزلا, ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة عنوة, فأسلم الناس طائعين وكارهين, وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت على راحلته وحول الكعبة ثلاثمئة وستون صنما, فجعل كلما مر بصنم منها يشير إليه بقضيب في يده, ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ فيقع الصنم لوجهه, وكان أعظمها هبل، وهو وجاه الكعبة, ثم جاء إلى المقام، وهو لاصق بالكعبة, فصلى خلفه ركعتين, ثم جلس ناحية من المسجد, وأرسل بلالا إلى عثمان بن طلحة أن يأتي بمفتاح الكعبة, فجاء به عثمان, فقبضه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح الباب, ودخل الكعبة فصلى فيها ركعتين وخرج فأخذ بعضادتي الباب والمفتاح معه وقد لبط بالناس حول الكعبة, فخطب الناس يومئذ, ودعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح, وقال: خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة لا ينزعها منكم أحد إلا ظالم، ودفع السقاية إلى العباس بن عبد المطلب، وقال: أعطيتكم ما ترزأكم ولا ترزؤونها, ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم بن أسد الخزاعي, فجدد أنصاب الحرم, وحانت الظهر فأذن بلال فوق ظهر الكعبة, وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تغزى قريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة, يعني على الكفر, ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحزورة، وقال: إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي -, يعني مكة- ولولا أني أخرجت منك ما خرجت, وبث رسول الله صلى الله عليه وسلم السرايا إلى الأصنام التي حول الكعبة, فكسرها منها العزى ومناة وسواع وبوانة وذو الكفين, فنادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره, ولما كان من الغد من يوم الفتح خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الظهر, فقال: إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض, فهي حرام إلى يوم القيامة ولم تحل لي إلا ساعة من نهار, ثم رجعت كحرمتها بالأمس, فليبلغ شاهدكم غائبكم, ولا يحل لنا من غنائمها شيء. وفتحها يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رمضان, وأقام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين, ثم خرج إلى حنين واستعمل على مكة عتاب بن أسيد يصلي بهم, ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه.
الطبقات الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ١٢٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الطبقات الكبرىج ٢ · ص ١٢٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي