فرجع قصي إلى أمه، فقال: من أبي؟ فقالت: أبوك ربيعة، قال: لو كنت ابنه ما نفيت ! قالت: أوقد قال هذا؟ فوالله ما أحسن الجوار، ولا حفظ الحق، أنت والله يا بني أكرم منه نفسا، ووالدا، ونسبا، وأشرف منزلا ! أبوك كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي، وقومك بمكة عند البيت الحرام فما حوله، قال: فوالله لا أقيم ههنا أبدا ! قالت: فأقم حتى يجيء إبان الحج، فتخرج في حاج العرب، فإني أخشى عليك أن يصيبك بعض الناس، فأقام، فلما حضر ذلك بعثته مع قوم من قضاعة فقدم مكة، وزهرة يومئذ حي، وكان أشعر، وقصي أشعر، فأتاه، فقال له قصي: أنا أخوك، فقال: ادن مني، وكان قد ذهب بصره وكبر، فلمسه، فقال: أعرف والله الصوت والشبه !
فلما فرغ من الحج عالجه القضاعيون على الخروج معهم والرجوع إلى بلادهم فأبى، وأقام بمكة، وكان رجلا نهدا نسيبا، فلم ينشب أن خطب إلى حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة، وهو لحي الخزاعي ابنته حبى، فعرف حليل النسب، ورغب فيه فزوجه، وحليل يومئذ يلي أمر مكة والحكم فيها، وحجابة البيت، ثم هلك حليل، فحجب البيت ابنه المحترش، وهو أبو غبشان، وكانت العرب تجعل له جعلا في كل موسم، فقصروا به في بعض المواسم، منعوه بعض ما كانوا يعطونه، فغضب، فدعاه قصي فسقاه، ثم اشترى منه البيت بأزواد، ويقال: بزق خمر، فرضي ومضى إلى ظهر مكة.
135- وأخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن زهير، عن عبد الله بن خداش بن أمية الكعبي، عن أبيه، قال (ح) وحدثتني فاطمة بنت مسلم الأسلمية، عن فاطمة الخزاعية- وكانت قد أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -قالا: لما تزوج قصي إلى حليل بن حبشية ابنته حبى، وولدت له أولاده، قال حليل: إنما ولد قصي ولدي، هم بنو ابنتي، فأوصى بولاية البيت والقيام بأمر مكة إلى قصي، وقال: أنت أحق به.