كأنّما الفِضّةُ البَيضاءُ، سَائِلَةً،
مِنَ السّبائِكِ تَجْرِي في مَجَارِيها
إذاعَلَتْهَا الصَّبَا أبدَتْ لهَا حُبُكاً
مثلَ الجَوَاشِنِ مَصْقُولاً حَوَاشِيهَا
فَرَوْنَقُ الشّمسِ أحْياناً يُضَاحِكُها،
وَرَيّقُ الغَيْثِ أحْيَاناً يُبَاكِيهَا
إذا النُّجُومُ تَرَاءَتْ في جَوَانِبِهَا
لَيْلاً حَسِبْتَ سَمَاءً رُكّبتْ فيهَا
لا يَبلُغُ السّمَكُ المَحصُورُ غَايَتَهَا
لِبُعْدِ ما بَيْنَ قاصِيهَا وَدَانِيهَا
يَعُمْنَ فيهَا بِأوْسَاطٍ مُجَنَّحَةٍ
كالطّيرِ تَنقَضُّ في جَوٍّ خَوَافيهَا
لَهُنّ صَحْنٌ رَحِيبٌ في أسَافِلِهَا،
إذا انحَطَطْنَ، وَبَهْوٌ في أعَاليهَا
صُورٌ إلى صُورَةِ الدُّلْفِينِ، يُؤنِسُها
مِنْهُ انْزِوَاءٌ بِعَيْنَيْهِ يُوَازِيهَا
تَغنَى بَسَاتِينُهَا القُصْوَى بِرُؤيَتِهَا
عَنِ السّحَائِبِ، مُنْحَلاًّ عَزَاليهَا
كأنّهَا، حِينَ لَجّتْ في تَدَفّقِهَا،
يَدُ الخَليفَةِ لَمّا سَالَ وَادِيهَا
وَزَادَها زُِتْبَةً مِنْ بَعْدِ رُتْبَتِهَا،
أنّ اسْمَهُ حِيْنَ يُدْعَى من أسامِيهَا
مَحْفُوفَةٌ بِرِياضٍ، لا تَزَالُ تَرَى
رِيشَ الطّوَاوِيسِ تَحكِيهِ وَتحكيهَا
وَدَكّتَينِ كَمِثْلِ الشِّعرَيَينِ غَدَتْ
إحداهُمَا بإزَا الأخرَى تُسَامِيهَا
إذا مَسَاعي أمِيرِ المُؤمِنِينَ بَدَتْ
للوَاصِفِينَ، فَلا وَصْفٌ يُدانِيهَا
إنّ الخِلاَفَةَ لَمّا اهْتَزّ مِنْبَرُها
بجَعْفَرٍ، أُعْطِيَتْ أقْصَى أمَانِيهَا
أبْدَى التّوَاضُعَ لَمّا نَالَها، دَعَةً،
عَنْهَا، وَنَالَتْهُ، فاختَالَتْ بهِ تِيهَا
إذا تَجَلّتْ لَهُ الدّنْيَا بِحِلْيَتِهَا،
رَأتْ مَحَاسِنَهَا الدّنْيَا مَسَاوِيهَا
يا ابنَ الأباطحِ مِنْ أرْضٍ أبَاطِحُها
في ذِرْوَةِ المَجْدِ أعلى مِن رَوَابِيهَا
مَا ضَيّعَ الله في بَدْوٍ وَلاَ حَضَرٍ
رَعِيّةً، أنتَ بالإحْسَانِ رَاعِيها
وأُمّةً كَانَ قُبْحُ الجَوْرِ يُسْخِطُهَا