وانصرف الزبير طالبا المدينة فمر بماء لبني تميم وبه الأحنف بن قيس فقيل للأحنف وكان اعتزل القتال -: هذا الزبير قد أقبل، فقال: قد جمع بين هذين العارين - يعني العسكرين -، وتركهم وأقبل وفي مجلسه عمرو بن جرموز المجاشعي فاتبع الزبير حتى وجده نائما بوادي السباع فقتله ثم أقبل برأسه إلى علي، فقال علي: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: بشروا قاتل الزبير بالنار. فقال عمرو بن جرموز:
(أتيت عليا برأس الزبير ... وقد كنت أحسبها زلفة)
(فبشر بالنار قبل العيان ... فبئس البشارة والتحفة)
(وسيان عندي قتل الزبير ... وضرطة عير بذي الجحفة)
واقتتلوا وعائشة راكبة الجمل المسمى عسكرا في هودج قد صار كالقنفذ من النشاب، وتمت الهزيمة على أصحاب عائشة، ورمى مروان بن الحكم طلحة بسهم فقتله وكلهما كانا مع عائشة قيل: أخذا بثار عثمان لأنه نسبه إلى الإعانة عليه، وقطعت على خطام الجمل أيد كثيرة وقتل بينهم خلق كثير قيل: عشرة آلاف.
ولما كثر القتل على خطام الجمل قال علي: اعقروا الجمل، فضربه رجل فسقط فبقيت عائشة في هودجها إلى الليل، وأدخلها أخوها محمد بن أبي بكر البصرة إلى دار عبد الله خلف. وطاف علي فصلى على أصحاب الجمل ودفنهم، ولما رأى طلحة قتيلا قال: إنا لله وإنا إليه راجعون لقد كنت أكره أن أرى قريشا صرعى أنت والله كما قال الشاعر:
(فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر)
وصلى عليه، ولم ينقل أنه صلى على قتلى الشام بصفين.
ثم أمر علي عائشة بالرجوع إلى المدينة، فسارت مستهل رجب منهم وشيعها الناس، وجهزها علي رضي الله عنه بما احتاجت إليه وسير معها أولاده مسيرة يوم، وتوجهت إلى مكة فأقامت للحج تلك السنة، ثم رجعت إلى المدينة.
واستعمل علي على البصرة عبد الله بن عباس ثم نزل الكوفة، وانتظم له الأمر بالعراق ومصر واليمن والحرمين وفارس وخراسان هذا ومعاوية بالشام وأهل الشام مطيعون له، فأرسل إليه علي جرير بن عبد الله البجلي ليأخذ البيعة عليه، فماطله معاوية حتى قدم عمرو بن العاص من فلسطين فوجد أهل الشام يحضون على الطلب بدم عثمان، فقال لهم عمرو: وأنتم على الحق، واتفق مع معاوية إذا ظفر أن يوليه مصر.
وأراد معاوية استمالة قيس بن سعد بن عبادة عامل مصر من جهة علي وكتب إليه بذلك فأبى، وكان قيس من دهاة العرب مداهنا لأهل مصر لئلا ينضموا إلى معاوية، فكتب معاوية كتابا على لسان قيس وقرأه على الناس موهما أن قيسا معه، ولذلك لم يقاتل المعتزلين عنه بمصر بقرية خربتا. وبلغ ذلك عليا فعزل قيسا عن مصر وولى محمد بن أبي