بحكمه وآياته، ولا سبيل للألباب إلى معرفة كنه ذاته ولو تناهت الحكم الإلهية في حد العقول، أو انحصرت القدرة الربانية في درك العلوم لكان ذلك تقصيرا في الحكمة ونقصا في القدرة ولكن احتجبت أسرار الأزل عن العقول كما استنرت سبحات الجلال عن الأبصار، فقد رجع معنى الوصف في الوصف، وعمى الفهم عن الدرك، ودار الملك في الملك، وانتهى المخلوق إلى مثله وأسند الطلب إلى شكله، وخشعت الأصوات للرحمن، فلا تسمع إلا همسا، فجميع المخلوقات من الذرة إلى العرش سبل متصلة إلى معرفته، وحجج بالغة على أزليته، والكون جميعه ألسن ناطقة بوحدانيته، والعلم كله كتاب يقرأ حروف أشخاصه المتبصرون على قدر بصائرهم.
قيل: أنه كان من أوتاد مصر، وزاد النيل سنة زيادة عظيمة وخيف الغرق فاستغاث الناس به فأتى إلى شاطئ النيل وتوضأ منه فنقص في الحال نحو ذراعين ونزل حتى زرع الناس في اليوم الثاني، ولم يطلع النيل سنة وغلا السعر وفات أكثر وقت الزرع وخيف الهلاك فتوضأ في شاطئ النيل بإبريق كان مع خادمه فزاد النيل في ذلك اليوم، وتتابعت زيادته حتى انتهى إلى حده وبورك في زرع تلك السنة ببركة الشيخ.
وكان يطوى له البعيد، وكراماته مجموعة والله أعلم.
ثم دخلت سنة خمس وستين وخمسمائة:
فيها حصر الفرنج دمياط، وكانت مشحونة بالرجال والذخائر من جهة صلاح الدين خمسين يوما، وأغار نور الدين على بلادهم فرحلوا وما ظفروا بها، قال صلاح الدين: ما رأيت أكرم من العاضد أرسل إلي مدة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية سوى الثياب وغيرها.
وفيها: حاصر نور الدين الكرك ثم رحل عنها.
وفيها: زلزل الشام عظيما فاشتغل كل من المسلمين والفرنج بعمارة ما خرب عن الحرب.
وفيها: في ذي الحجة مات قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل بالحمى المحرقة وعمره أربعون تقريبا، وملكه إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر ونصف.
وكان حسن السيرة، وصرف أرباب الدولة الملك عن ابنه عماد الدين زنكي بن مودود إلى سيف الدين غازي بن مودود وهو الأصغر فسار زنكي إلى عمه نور الدين مستنصرا به.
وفيها: توفي طغرل بك بن قاروت بك صاحب كرمان، وملك بعده ابنه بهرام شاه
ونزعه أخوه أرسلان شاه فاتفق موت أرسلان شاه.
وفيها: توفي مجد الدين أبو بكر بن الداية رضيع نور الدين مقطع حلب وحارم
وقلعة جعبر فأقر نور الدين أخاه عليا على ذلك.