فخرج الناس من مكة سراعا ولم يتخلف من الأشراف غير أبي لهب وبعث مكانه العاص ابن هشام وكانت عدتهم تسعمائة وخمسين رجلا فيهم مائة فرس وخرج - صلى الله عليه وسلم - من المدينة لثلاث خلون من رمضان منها ومعه ثلثمائة وثلاث عشر رجلا منهم سبعة وسبعون من المهاجرين والباقون أنصار وما فيهم سوى فارسين المقداد بن عمرو الكندي والزبير بن العوام وقيل غير الزبير، وكانت الإبل سبعين يتعاقبون عليها فنزل الصفراء وجاءته
الأخبار بأن العير قاربت بدرا وأن المشركين خرجوا ليمنعوا عنها ثم ارتحل ونزل في بدر على ادنى ماء من القوم وأشار سعد بن معاذ فبنى له - صلى الله عليه وسلم - عريشا فجلس عليه ومعه أبو بكر وأقبلت قريش فلما رآهم قال: " اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني " وتقاربوا وبرز من المشركين عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة فأمر - صلى الله عليه وسلم - أن يبارز عبيدة بن الحارث بن المطلب عتبة، وحمزة عم النبي - صلى الله عليه وسلم - شيبة، وعلي رضي الله عنه الوليد وضرب كل واحد من عبيدة وعتبة، صاحبه وكر علي وحمزة على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله ثم مات.
وتزاحف القوم ورسول الله ومعه أبو بكر على العريش وهو يدعو ويقول: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض اللهم أنجز لي ما وعدتني " ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه فوضعه أبو بكر عليه وخفق رسول الله ثم انتبه فقال: " أبشر يا أبا بكر فقد أتى نصر الله ".
ثم خرج من العريش يحرض الناس على القتال وأخذ حفنة من الحصباء ورمى بها قريشا وقال: " شاهت الوجوه " وقال لأصحابه: " شدوا عليهم " فكانت الهزيمة وكانت الوقعة صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان وحمل عبد الله بن مسعود رأس أبي جهل إليه فسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - شكرا لله تعالى وقتل أبو جهل وهو ابن سبعين سنة وقتل أخوه العاص بن هشام ونصر الله نبيه بالملائكة قال الله تعالى ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم إني ممدكم بألف من الملائكة﴾ وبلغ أبا لهب بمكة مصاب بدر فمات كمدا بعد سبع ليال وعدة قتلى بدر
المشركين سبعون رجلا والأسرى كذلك.
ومن القتلى أيضا هشام قتله المحدد بن زياد، ونوفل بن خويلد أخو خديجة وكان من شياطين قريش وهو الذي قرن أبا بكر وطلحة بن خويلد لما أسلما في حبل قتله علي رضي الله عنه، وعمير بن عثمان بن عمرو التميمي قتله علي أيضا، ومسعود بن أبي أمية المخزومي قتله حمزة، وعبد الله بن المنذر المخزومي قتله علي، ومنبه بن الحجاج السهمي قتله أبو بشر الأنصاري، وابنه العاص بن منبه قتله علي، وأخوه نبيه بن الحجاج اشترك فيه حمزة وسعد بن أبي وقاص، وأبو العاص بن قيس السهمي قتله علي رضي الله عنه.
وكان من جملة الأسرى العباس وابنا أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وبعد انقضاء القتال أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسحب القتلى إلى القليب وكانوا أربعة