فلما قدم يوشع ببني إسرائيل إلى الشام دفنه بالقرب من نابلس، وقيل: عند الخليل.
ثم بعث الله شعيبا عليه السلام إلى أصحاب الأيكة وأهل مدين، قيل: شعيب من ولد إبراهيم، وقيل: من ولد من آمن بإبراهيم. والأيكة: شجر ملتف، فلم يؤمنوا، فأهلكوا بسحابة أمطرت نارا يوم الظلة، وأهلك أهل مدين بالزلزلة.
ثم أرسل الله موسى بن عمران بن قاهاث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبيا بشريعة بني إسرائيل، ولما ولد كان فرعون مصر الوليد قد أمر بقتل الأطفال، فخافت عليه أمه، وألقى الله تعالى في قبلها أن تلقيه في النيل، فجعلته في تابوت وألقته، والتقطته آسية امرأة فرعون وربته وكبر.
فبينا هو يمشي في بعض الأيام إذ وجد إسرائيليا وقبطيا يختصمان، فوكز القبطي فقضى عليه. ثم اشتهر ذلك، وخاف من فرعون فهرب نحو مدين واتصل بشعيب وزوجه ابنته صفورة، وأقام يرعى غنم شعيب عشر سنين.
ثم سار موسى بأهله في زمن الشتاء، وأخطأ الطريق وامرأته حامل، فأخذها الطلق في ليلة شاتية، فأخرج زنده ليقدح فلم تظهر له نار وأعيا مما يقدح، فقال لأهله: امكثوا ﴿إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون﴾ . فلما دنا منها رأى نورا من السماء إلى شجرة عظيمة من العوسج وقيل: من العناب، فتحير موسى وخاف ورجع، فنودى منها، ولما سمع الصوت استأنس وعاد. فلما أتاها نودي من جانب الوادي الأيمن من الشجرة: يا موسى إني أنا الله رب العالمين. ولما رأى تلك الهيبة علم أنه ربه فخفق قلبه وكل لسانه وضعفت منته، ثم شد الله قلبه، ولما عاد عقله نودي: ﴿فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس﴾ . وجعل الله عصاه ويده آيتين.
ثم أقبل إلى أهله وسار بهم نحو مصر حتى أتاهم ليلا، واجتمع به هارون وسأله من أنت؟ فقال: أنا موسى، فتعارفا واعتنقا. ثم قال موسى: يا هارون أن الله تعالى أرسلنا إلى فرعون فانطلق معي إليه. فقال: سمعا وطاعة. فانطلقا إليه، وأراه موسى عصاه ثعبانا فاغرا فاه.
قلت: قال الزمخشري في الكشاف: كان ثعبانا ذكرا أشعر فاغرا فاه بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل على الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون ليأخذه، فوثب فرعون من سريره وهرب وأحدث ولم يكن أحدث قبل ذلك، وحمل على الناس فانهمزموا ومات منهم خمسة وعشرون ألفا فقتل بعضهم بعضا، ودخل فرعون البيت وصاح: يا موسى خذه وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه موسى، فعاد عصا والله أعلم. ثم أدخل يده في جيبه، وأخرجها وهي بيضاء لها نور تكل منه الأبصار، فلم يستطع فرعون النظر إليها، ثم ردها إلى جيبه، وأخرجها فإذا هي على لونها الأول.
ثم أحضر لهما فرعون السحرة وعملوا الحيات، وألقى موسى عصاه فتلقفت ذلك وآمن به السحرة، فقتلهم فرعون عن آخرهم. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .