(اليوم ألقى الأحبة ... محمدا وحزبه)
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن آخر رزقي من الدنيا صيخة لبن - والصيخ اللبن الرقيق الممزوج - وارتجز:
(نحن قتلناكم على تأويله ... كما قتلناكم على تنزيله)
(ضربا يزيل الهام عن مقليه ... ويذهل الخليل عن خليله)
وقاتل حتى استشهد رضي الله عنهم أجمعين، وفي الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " تقتل عمارا الفئة الباغية ". قيل: قتله أبو عادية برمح، واحترز آخر رأسه وأقبلا يختصمان إلى عمرو ومعاوية كل منهما يقول: أنا قتلته، فقال عمرو: إنكما في النار، فلما انصرفا قال معاوية لعمرو: ما رأيت مثلما صرفت قوما بذلوا أنفسهم دوننا، فقال عمرو: هو والله ذلك والله إنك لتعلمه ولوددت أني كنت مت قبل هذا بعشرين سنة.
وبعد قتل عمار انتدب علي رضي الله عنه عشرين ألفا وحمل بهم، فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض وعلي يقول:
(أقتلهم ولا أرى معاوية ... الجاحظ العين العظيم الخاوية)
ثم نادى: يا معاوية علام تقتل الناس ما بيننا هلم أحاكمك إلى الله فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور فقال عمرو: أنصفك ابن عمك، فقال معاوية: ما أنصف إنك تعلم أنه لم يبرز إليه أحد إلا قتله، فقال عمرو: وما يحسن بك ترك مبارزته، فقال معاوية: طمعت في الأمر بعدي؟ .
ثم تقاتلوا ليلة الهرير شبهت بليلة القادسية وكانت ليلة الجمعة واستمر القتال إلى الصبح، قيل: كبر على تلك الليلة أربعمائة تكبيرة وكان عادته كلما قتل كبر، ودام إلى ضحى الجمعة، وقاتل الأشتر قتالا عظيما حتى انتهى إلى معسكرهم وأمده علي رضي الله عنه بالرجال.
ولما رأى عمرو ذلك قال: هلم نرفع المصاحف على الرماح ونقول: هذا كتاب الله بيننا وبينكم، ففعلوا ذلك، فقال أهل العراق لعلي: ألا تجيب إلى كتاب الله؟ فقال علي رضي الله عنه: امضوا على حقكم وصدقكم في قتال عدوكم فإن عمرا ومعاوية وابن أبي معيط وابن أبي سرح والضحاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وأنا أعرف بهم منكم وبحكم الله، والله ما رفعوها إلا خديعة ومكيدة، فقالوا: لا تمنعنا أن ندعي إلى كتاب الله فتأبي، فقال علي: إني إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم كتاب الله فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم، فقال له مسعود بن فدك التميمي وزيد بن حصين الطائي في عصابة من الذين صاروا خوارج: يا علي أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم ونفعل بك ما فعلنا بعثمان بن عفان، فقال علي رضي الله عنه: إن تطيعوني فقاتلوا وإن تعصوني فافعلوا ما بدا لكم، قالوا: وابعث إلى الإشتر فليأتك، فبعث إليه يدعوه فقال الأشتر