تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبينا عبد الملك جالس في قصر مروان بذي خشب يترقب، إذا رسوله قد جاء يلوح بثوبه، فقال عبد الملك: إن هذا لبشير، فأتاه رسوله الذي كان بمخيض يخبره أن أهل المدينة قد قتلوا, ودخلها أهل الشام، فسجد عبد الملك، ودخل المدينة بعد أن برأ، وقال غير محمد بن عمر: كان أهل المدينة قد أخذوا على بني أمية حين أخرجوهم العهود والمواثيق أن لا يدلوا على عورة لهم, ولا يظاهروا عليهم عدوا.

فلما لقيهم مسلم بن عقبة بوادي القرى, قال مروان لابنه عبد الملك: ادخل عليه قبلي, لعله يجتزئ بك مني، فدخل عليه عبد الملك، فقال له مسلم: هات ما عندك, أخبرني خبر الناس، وكيف ترى؟ فقال: نعم، ثم أخبره بخبر أهل المدينة، ودله على عوراتهم، وكيف يؤتون, ومن أين يدخل عليهم، وأين ينزل، ثم دخل عليه مروان، فقال: إيه، ما عندك؟ قال: أليس قد دخل عليك عبد الملك؟ قال: بلى, قال: فإذا لقيت عبد الملك فقد لقيتني. قال: أجل، ثم قال مسلم: وأي رجل عبد الملك, قلما كلمت من رجال قريش رجلا به شبها.

8379- أخبرنا أبو عبيد، عن أبي الجراح, قال: أخبرني محمد بن المنتشر، عن رجل من همدان من وداعة، من أهل الأردن, قال: كنا مع مسلم بن عقبة مقدمه المدينة, فدخلنا حائطا بذي المروة, فإذا شاب حسن الوجه والهيئة, قائم يصلي، فطفنا في الحائط ساعة، وفرغ من صلاته, فقال لي: يا عبد الله، أمن هذا الجيش أنت؟ قلت: نعم, قال: أتؤمون ابن الزبير؟ قلت: نعم, قال: ما أحب أن لي ما على ظهر الأرض كله، وأني سرت إليه، وما على ظهر الأرض اليوم أحد خير منه, قال: فإذا هو عبد الملك بن مروان, فابتلي به, حتى قتله في المسجد الحرام.

قالوا: وكان عبد الملك قد جالس الفقهاء, والعلماء، وحفظ عنهم، وكان قليل الحديث.

قال محمد بن عمر: بويع مروان بن الحكم بالخلافة بالجابية, يوم الأربعاء, لثلاث خلون من ذي القعدة, سنة أربع وستين، فلقي الضحاك بن قيس الفهري بمرج راهط, فقتله، ثم بايع بعد ذلك لأبيه عبد الملك, وعبد العزيز ابني مروان بالخلافة.

8380- قال محمد بن عمر: فأخبرنا موسى بن يعقوب، عن أبي الحويرث, قال: مات مروان بن الحكم بدمشق, لهلال شهر رمضان, سنة خمس وستين، فاستقبل عبد الملك الخلافة من يومئذ.

8381- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم، عن أبيه، قال: تهيأ مصعب بن الزبير للخروج إلى عبد الملك، وسار, حتى أتى باجميرا، قرية على شط الفرات, دون الأنبار بثلاثة فراسخ، فنزلها، وبلغ عبد الملك، فجمع جنوده، ثم سار فيهم يؤم العراق لقتال مصعب، وقال لروح بن زنباع، وهو يتجهز: والله، إن في أمر هذه الدنيا لعجبا؛ لقد رأيتني ومصعب بن الزبير أفقده الليلة الواحدة من الموضع الذي نجتمع فيه، فكأني واله، ويفقدني, فيفعل مثل ذلك، ولقد كنت أوتى باللطف, فما أراه يجوز لي أكله, حتى أبعث به إلى مصعب أو ببعضه، ثم صرنا إلى السيف، ولكن هذا الملك عقيم، ليس أحد يريده من ولد ولا والد, إلا كان السيف, وإنما يقول هذا القول عبد الملك, لأن خالد بن يزيد بن معاوية, وعمرو بن سعيد بن العاص جالسان معه, فأرادهما به، وهو يومئذ يخافهما، قد عرف أن عمرو بن سعيد أطوع الناس عند أهل الشام, وخالد بن يزيد بن معاوية قد كان مروان أطمعه في العقد له بعده، فعقد مروان لعبد الملك, ولعبد العزيز بعد عبد الملك, فأيس خالد، وهو مع عبد الملك على الطمع والخوف.

الطبقات الكبرى · الجزء ٧ · الصفحة ٢٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبقات الكبرىج ٧ · ص ٢٢٣