وزحفوا إليه فالتقوا فقاتلهم عمرو قتالا شديدا, حتى هزمهم الله وانتهوا إلى الكريون, فقاتلوا قتالا شديدا حتى صلى عمرو بن العاص يومئذ صلاة الخوف, ثم مضى قدما حتى انتهى إلى الإسكندرية, فأرسل إليهم المقوقس صالحنا ومادنا مدة ننتهي إليها نحن وأنت وأكتب إلى صاحبي- يعني ملك الروم- وسأله موادعة سنة, فأبى عمرو, فقال: فشهرا؟ قال: ولا ساعة من نهارو ثم قاتلهم أشد القتال حتى فتحها عنوة ودخلها بالسيف, وغنم ما فيها من الروم وغيرهم الذين في جوفها, وجعل فيها رابطة من المسلمين عليهم عبد الله بن حذافة.
وبعث عمرو بن العاص معاوية بن حديج إلى عمر بن الخطاب بفتح الإسكندرية. قال: وبلغ قسطنطين بن هرقل أمر الإسكندرية وفتحها, فبعث خصيا له, يقال له: منويل, في ثلاث مئة مركب, حتى دخلوا الإسكندرية, فقتلوا من بها من روابط المسلمين, وهرب من هرب, ونقض أهل الإسكندرية، فبلغ عمرو بن العاص الخبر فندب المسلمين, فخرج في خمسة عشر ألفا من المسلمين, ثم زحف إلى أهل الإسكندرية, ونصب عليها المجانيق, وقاتلهم أشد القتال حتى فتحها عنوة وخرب جدرها, ورئي عمرو بن العاص يخرب بيده.
5894- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني عبد الله بن نافع, عن عمرو بن الحارث قال: كان عمرو بن العاص يبعث بجزية أهل مصر وخراجها إلى عمر بن الخطاب كل سنة بعد حبس ما كان يحتاج إليه, ثم إنه استبطأ عمرو بن العاص في الخراج, فكتب إليه كتابا يلومه في ذلك ويشدد عليه, ويقول له في كتابه: فلا تجذع أبا عبد الله أن تؤخذ بالحق وتعطيه, فإن الحق أبلج, فذرني وما عنه تلجلج فقد برح الخفا.
فكتب إليه عمرو بن العاص يجيبه على كتابه, وكتب إليه: إن أهل الأرض استنظروا إلى أن تدرك غلتهم فنظرت للمسلمين وكان الترفق بهم خيرا من أن نخرق بهم فيصيروا إلى بيع ما لاغنى بهم عنه, فينكسر الخراج وقد صدقت والله أمير المؤمنين والسلام.
5895- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن موسى بن جبير، عن شيوخ من أهل المدينة, قالوا: كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص: أما بعد، فإني قد فرضت لمن قبلي في الديوان ولذريتهم ولمن ورد علينا بالمدينة من أهل اليمن وغيرهم ممن توجه إليك وإلى البلدان فانظر من فرضت له ونزل بك فادرر عليه العطاء وعلى ذريته ومن نزل بك ممن لم أفرض له, فافرض له على نحو مما رأيتني فرضت لأشباهه, وخذ لنفسك مائتي دينار, فهذه فرائض أهل بدر من المهاجرين والأنصار، ولم أبلغ بهذا أحدا من نظرائك غيرك لأنك من عمال المسلمين فألحقتك بأرفع ذلك وقد علمت أن مؤنا تلزمك فوفر الخراج وخذه من حقه ثم عف عنه بعد جمعه، فإذا حصل إليك وجمعته أخرجت عطاء المسلمين وذريتهم وما تحتاج إليه مما لا بد منه, ثم انظر فيما فضل بعد ذلك فاحمله إلي، واعلم أن ما قبلك من أرض مصر ليس فيه خمس, وإنما هي أرض صلح وما فيها للمسلمين فيء تبدأ بمن أغنى عنهم في ثغورهم وأجزأ عنهم في أعمالهم،