فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس: قم فأجب خطيبهم، فقام ثابت وما كان درى من ذلك بشيء وما هيأ قبل ذلك ما يقول، فقال: الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهما أمره، ووسع كل شيء علمه، فلم يك شيء إلا من فضله، ثم كان مما قدر أن جعلنا ملوكا، واصطفى لنا من خلقه رسولا، أكرمهم نسبا وأحسنهم زيا، وأصدقهم حديثا، أنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه، وكان خيرته من عباده، فدعا إلى الإيمان، فآمن المهاجرون من قومه من ذوي رحمه، أصبح الناس وجوها، وأفضل الناس أفعالا، ثم كنا أول الناس إجابة حين دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أنصار الله ورسوله، نقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر بالله ورسوله جاهدناه في ذلك، وكان قتله علينا يسيرا، أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات، ثم جلس، قالوا: يا رسول الله, ائذن لشاعرنا، فأذن له، فأقاموا الزبرقان بن بدر، فأنشد قصيدته التي فيها:
نحن الملوك فلا حي يفاخرنا ... فينا الملوك وفينا تنصب البيع
حتى أتى عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجبهم يا حسان، فقام حسان بن ثابت فأنشد قصيدته التي فيها:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد شرعوا سنة للناس تتبع
حتى أتى على آخرها. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بمنبر، فوضع في المسجد ينشد عليه حسان بن ثابت، وقال: إن الله ليؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن نبيه وسر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يومئذ بمقام ثابت بن قيس بن شماس وخطبته، وشعر حسان بن ثابت، وخلا الوفد بعضهم إلى بعض، فقال قائلهم: تعلمن والله أن هذا الرجل مؤيد مصنوع له والله لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولهم أحلم منا، فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسرى والسبي، وأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في رفع أصوات التميميين الذين نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾، ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾ يعني تميما حين نادوا النبي صلى الله عليه وسلم وكان ثابت بن قيس من أجهر الناس صوتا فكان حين نزلت هذه الآية لا يرفع صوته عند النبي صلى الله عليه وسلم.