(فذاب الثلج وانهدم البنايا ... وقد عزم الغريب على الخروج)
فخلصتهما من ذل مقامات الغريب بكر أرض وأوقدت عليهما فكري، فذاب الثلج وانهدم البنايا المستحقة للنقض وجعلت لهما اسما في الأسماء ونقلتهما من كثافة الأرض إلى الطافة السماء.
فقلت:
(مليح ردفه والساق منه ... كبنيان القصور على الثلوج)
(خذوا من خده القاني نصيبا ... فقد عزم الغريب على الخروج)
وكذلك تعجبت لاشتهار المثلين العاميين اللذين طبقا الآفاق مع ركتهما بالاتفاق، وهما قول العامة: حسبت أن في السفرة جبنا، وقولهم: فعلت كذا على عينك يا تاجر، فأفرغت الجبن في قالب الحسن.
فقلت:
(جاءنا ملتثما مكتتما ... فدعوناه لأكل وعجبنا)
(مد في السفرة كفا ترفا ... فحسبنا أن في السفرة جبنا)
وملأت عين التاجر بالجواهر فقلت:
(وتاجر شاهدت عشاقه ... والحرب فيما بينهم ثائر)
(قال علام اقتتلوا هكذا ... قلت على عينك يا تاجر)
والله أعلم.
ثم رحلت العساكر عن دمياط فدخلوا إلى القاهرة تاسع صفر، وأرسل المصريون إلى الأمراء الذين بدمشق ليوافقوهم على ما قدمنا فأبوا، وكان الملك السعيد بن العزيز بن العادل صاحب الصبيبة قد سلمها إلى الصالح أيوب ولما جرى ذلك استعادها، ولما بلغ ذلك بدر الدين الصوابي الصالحي نائب الكرك والشوبك أخرج من حبس الشوبك الملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل أبي بكر بن الكامل بن العادل بن أيوب، وكان قد حبسه بها المعظم توران شاه لما وصل إلى مصر، وتملك المغيث القلعتين الكرك والنشوبك، وقام الصوابي في خدمته أتم قيام.
استيلاء الناصر صاحب حلب على دمشق
لما أبت أمراء دمشق ما ذكرنا كاتب الأمراء القيمرية بها الناصر يوسف صاحب حلب بن العزيز بن الظاهر بن صلاح الدين، فسار إليهم، وملك دمشق لثمان من ربيع الآخر منها، وخلع على جمال الدين يغمور وعلى القيمرية واعتقل جماعة من الأمراء الصالحية، وعصت بعلبك وعجلون وشميميس مديدة ثم سلمت إليه وبلغ ذلك مصر فقبضوا على من بها من القيمرية وكل من اتهم بالميل إلى الحلبيين، ثم أن كبراء دولة مصر