بالرقة وخوفه من تورن فلم يفعل، وكان قد أرسل إلى تورون في الصلح فحلف تورون للمتقي، فانحدر لأربع بقين من المحرم إلى بغداد وعاد الأخشيد إلى مصر، ولما وصل المتقي إلى هيت أقام بها وأرسل فجدد اليمين على تورون، وجاء تورون من بغداد لتلقيه فالتقاه بالسندية، ووكل على الخليفة حتى انزله في مضربه.
ثم قبض تورون على المتقي وسمل عينيه فأعماه، فصاح المتفي وحرمه وخدمه فأمر تورون بضرب الدبادب لتخفي أصواتهم، وانحدر تورون بالمتقي إلى بغداد وهو أعمى، وخلافة المتقي إبراهيم بن جعفر المقتدر بن المعتضد ثلاث سنين وخمسة أشهر وعشرون يوما وأمه خلوب أم ولد.
(أخبار المستكفي بالله)
ثم إن تورون بايع المستكفي بالله ثاني عشرهم أبا القاسم عبد الله بن المكتفي بالله علي بن المعتضد أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد، وأحضره إلى السندية وبايعه الناس يوم خلع المتقي في صفر منها.
وفيها: اشتدت شوكة أبي يزيد الخارجي بالقيروان وهزم الجيوش وهو من زنانة وأبوه كنداد من مدينة توزر من بلاد قسنطينة وأم أبي يزيد جارية سوداء وانتشى أبو يزيد بتوزر وقرأ القرىن وسار إلى تاهرت فصار على مذهب النكارية يكفر أهل الملة ويستبيح أموالهم ودماءهم، ودعا أهل تلك البلاد فأطاعوه وكثر جمعه فحصر قسنطينة في هذه السنة وكان قصيرا قبيحا يلبس جبة صوف، ثم فتح تنيسه ثم شبنية وصلب عاملها ثم الأريس فأخرج القائم جيوشا لحفظ رقادة والقيروان، فهزمهم أبو يزيد واستولى على تونس وعلى القيروان ورقادة.
ثم سار أبو يزيد إلى القائم، فجهز القائم جيشا قاتله فانهزم جيش القائم فسار أبو يزيد وحصر القائم بالمهدية في جمادى الأولى منها وضايقها فعدم فيها القوت إلى أن خرجت هذه السنة، ثم رحل عن المهدية في صفر سنة أربع وثلاثين وسار إلى القيروان.
وتوفي القائم وملك ابنه إسماعيل المنصور - وسيأتي -، فجهز المنصور العساكر وسار بنفسه إلى القيروان واستعادها من أبي يزيد سنة أربع وثلاثين وثلثمائة وداموا على القتال إلى سنة خمس وثلاثين فهزم المنصور عسكر أبي يزيد وسار في أثره في ربيع الأول سنة خمس وثلاثين فأدرك أبا يزيد على المدينة باعاثة فهرب أبو يزيد من موضع إلى موضع حتى وصل طنبه، ثم هرب إلى جبل البربر واسم ذلك الجبل برزال والمنصور في أثره.
واشتد على عسكر المنصور الحال حتى بلغت العليقة دينارا فرجع المنصور إلى بلاد صنهاجة وبلغ إلى قرية عمرة واتصل هناك بالمنصور العلوي الأمير زيري الصنهاجي جد ملوك بادس فأكرمه المنصور، ومرض المنصور هناك شديدا ثم عوفي ورحل إلى مسيلة ثاني رجب سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، وكان قد اجتمع إلى أبي يزيد جمع من البربر وسبق