تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسلم امرأة من خثعم وضيئة الوجه تسأله هل تحج عن أبيها الذي أدركته الفريضة

وهو ضعيف لا يثبت على الراحلة؟ فأفتاها بالجواز، وفيه أن الفضل جعل ينظر

إلى المرأة وتنظر إليه، فجعل صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق

الآخر، وفي بعض ألفاظه فلوى صلى الله عليه وسلم عنق الفضل، فقال العباس:

يا رسول الله، لم لويت عنق ابن عمك؟ وفي لفظ: وجأت عنق ابن عمك، فقال

صلى الله عليه وسلم: (رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما) وفي رواية

(فلم آمن عليهما الفتنة) .

وقد استنبط ابن القطان وغيره من هذا الحديث جواز النظر عند أمن الفتنة،

حيث لم يأمرها بتغطية وجهها، وقالوا لو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل،

ولو لم يكن ما فهمه صحيحا ما أقره عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهذا بعد نزول

آية الحجاب قطعا؛ لأنه في حجة الوداع سنة عشر والآية نزلت سنة خمس.

والتحقيق أن النظر من كل من الرجل والمرأة إلى ما عدا العورات مباح، فإن

كان بشهوة كره تكراره، كما قلنا في تفسير: ﴿يغضوا من أبصارهم﴾ (النور:

30) فإن خيف منه فتنة تفضي إلى الحرام اتجه القول بتحريمه لسد الذريعة لا

لذاته كالخلوة والسفر عند من يقولون بثبوت التحريم بالدليل الظني، وقال الإمام

يحيى ومن وافقه من فقهاء العترة إنه جائز مع الشهوة، وشدد آخرون من الفقهاء،

فقالوا بتحريمه مطلقا [5] ، بل قال بعضهم بوجوب ستر المرأة لوجهها وجرى على

ذلك أهل الحضارة في الأمصار، حتى صار من التقاليد أن لا يرى رجل أجنبي

امرأة بالغة ولا يكلمها ولو من وراء حجاب، بل صاروا يكتمون أسماء النساء،

وبلغنا أن بعض المتنطعين من طلبة العلم في طرابلس الشام أمر امرأته بتغطية

رأسها حتى في داخل الدار حتى لا تراها الملائكة.

وأما أهل البوادي الذين يعيشون بالقيام على الأنعام وسكان الأرياف من

الفلاحين وهم أكثر المسلمين - فلا يعرف نساؤهم هذا الغلو في الحجاب، ولا هذا

التهتك والتبذل الفاشي في هذا الزمان، وهم على ذلك أقل من أهل الأمصار سقوطا

في الفتنة.

ومن لطائف ما يروى في هذا الباب أنه عقد مؤتمر نسوي دولي في أوربة

حضره من قبل الدولة الحميدية كامل بك الحمصي كاتب السلطان الخامس، فسئل

في المؤتمر عن حجاب النساء في الإسلام، فقال ما خلاصته: إن هذه مكيدة من

النساء، رأين أن ذوات الجمال البارع منهن قليلات، وأن ظهورهن للرجال يفتنهم

بهن ويقبح نساءهم في أعين أكثرهم، فتواطأن على الاحتجاب العام ليرضى كل

رجل بامرأته، فضحك النساء في المؤتمر، وكان لكلامه عندهن وقع حسن.

وإذا لم يكن ما قاله كامل بك واقعا فتعليله صحيح، فالمحجوب محبوب بالطبع

والمبذول مبتذل في العادة الغالبة، ولما صار الهمج الذين كانوا يعيشون عراة

يلبسون الثياب، اشتد شوق رجالهم لنسائهم ورغبتهم فيهن، وتهتك النساء في هذا

العصر هو الذي أحدث ما يسمونه أزمة الزواج في مصرنا وأمثالها.

وجملة القول: إن أصل الشرع في آداب النساء والرجال معروف، وإن سد

ذرائع الفتنة والفساد مشروع، وهو يختلف باختلاف الأعصار والأمصار؛ وإنما

الحرام ما ثبت بنص قطعي الرواية والدلالة، وما دل على طلب تركه دليل ظني

فهو مكروه، وكل رجل وامرأة أعلم بحال نفسه ونيته، وحال قومه وبيئته.

والقاعدة العامة في مثل هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (الحلال ما أحل الله

في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه) رواه

الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه وقوله صلى

الله عليه وسلم: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير

من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات

وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه - وفي رواية: يواقعه -

ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٧٧