تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ترجمة القرآن وكون العربية لغة الإسلام

ورابطة الأخوة الإسلامية [*]

(2)

بينا في المقدمة الإجمالية لهذا البحث عشر مسائل أساسية لا مجال للمراء

والجدل فيها، يعلم منها جملة ما أصاب فيه الكاتبون الكثيرون في مسألة الترجمة

وما أخطأوا؛ ولكن ذلك الإجمال لا يغني عن البيان والتفصيل الذي تقوم به الحجج

على الصواب، وتدحض الشبهات التي لبست على المخطئين الحق بالباطل وهو ما

أعقد له الفصول الآتية، مبتدئا إياها بما أعلم من سبب إثارة هذا البحث وحقيقة

الأمر فيه.

غرض حكومة الترك الجمهورية اللادينية

من ترجمة القرآن وكتابته بالحروف اللاتينية

وما قيل في حظ الشعب التركي من هذه البدعة

لقد كان عمل الترك الذي أعلنوا تنفيذه في شهر رمضان، هو الذي فتح باب

البحث في ترجمة القرآن، وكان أول ما كتب في تخطئتهم بحجج الإسلام، والدفاع

عنهم وتصويب عملهم بحجة التجديد وتطور الزمان، الذي خلاصته أن الشعب

التركي قد ارتقى في مدارج المدنية الأوربية ارتقاء ما عاد يليق به اتباع الشريعة

الإسلامية العربية، ولا الكتابة بحروفها، وأن الغرض الديني من القرآن معانيه لا

عبارته وألفاظه، ولا نظمه وإعجازه، وأنه مهما تكن الحال فلا يليق بالشعب

التركي الراقي أن يترك لغته لأجل القرآن، ولا أن يحافظ على الكتابة العربية

لأجل المحافظة على القرآن المنزل باللسان العربي، ومثل هذه الحجج الداحضة لا

يقول بها أحد يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وبكتاب الله المنزل عليه؛

وإنما يقول بها من يفضل عليهما سياسة الحكومة التركية الحاضرة التي أحدثت هذا

الأمر، ومن عجب أن كان فارس ميدانها كاتب كان قد اشتهر بالدفاع عن الإسلام

والتنويه بمزاياه، ثم تذبذب فيه ثم صرح بنصر التجديد الأوربي وتفضيله عليه.

فعلت هذه الحكومة فعلتها هذه متبعة ما سماه رئيسها (سياسة المراحل) التي

كان أولها إلغاء الخلافة السياسية، فإلغاء الخلافة الروحية التي استبدلوها بها،

فحذف مادة (دين الدولة التركية الإسلام) من القانون الأساسي، وإبطال المحاكم

الشرعية والمدارس الدينية الإسلامية والأوقاف، فإلغاء اللغة العربية وكتبها الدينية

والعلمية، فإلغاء حروفها، ثم وصلوا أخيرا إلى مرحلة القرآن، وما أدراك ما

القرآن، هو كلام الله المنزل المتعبد بلفظه العربي وتلاوته، كالتعبد بعقائده وأحكامه،

هو كلام الله الذي يعتقد كل مسلم أن تغيير شيء منه أو تبديله كفر يخلد فاعله في

جهنم فماذا يفعلون؟

تبديل الحكومة التركية القرآن لغة وكتابة

وأنصارها بمصر

إن الحكومة العسكرية التي قهرت الشعب على الخضوع لها في قطع تلك

المراحل كلها، وقمع كل مقاومة بدرت منه بحكم الإرهاب والتنكيل - لا تهاب قطع

هذه المرحلة وهي العقبة الكئود: أمرت بترجمة حرفية جديدة للقرآن على أن تسمى

قرآنا يتعبد به من يختار أن يبقى مسلما من الترك، بشرط أن يكتب بالحروف

اللاتينية كغيره من كتب الدولة وشعبها، وبدأت بإعلان ذلك في ليلة القدر من شهر

رمضان (27 منه) فلقن قارئ حسن الصوت آيات منه فقرأها في جامع أيا صوفيا

المشهور، ووضعت بجانبه آلة الراديو الناقلة للصوت الموزعة له فنقلتها إلى

مواضع وبلاد كثيرة.

إن هذا لحنث عظيم، وإنه لخطب في الإسلام خطير، وإن كربه على

المسلمين لكبير، وقد توقعناه قبل وقوعه ببضع سنين، فصرحنا به وبينا مفاسده في

المنار وفي تفسيره من خمسة عشر وجها، فهو لم يكن عندنا شيئا جديدا، وكنا

نرجو من هذا الشعب العريق في الإسلام أن يوقظ هذا الاعتداء على دينه شعوره

النائم، ويحيي ما أماته الجهل وإلفة البدع ونزغات الإلحاد المادية من عزة نفسه،

ونرى أنه سيصبر إلى أن تتيح له الفرص محو هذه البدع الإلحادية والرجوع

بالإسلام إلى أصله، وقد جاءتنا الأنباء من مصادر كثيرة مؤيدة لرأينا هذا.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٣٩