تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نداء للجنس اللطيف

يوم ذكرى المولد المحمدي الشريف

من سنة 1351

في حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام

تابع لما نشر في الجزء الماضي وما قبله

الطلاق وما في معناه من فسخ وخلع وإيلاء وظهار

ومراعاة حقوق النساء في ذلك

48- مقدمة في أسبابه وحكمه عند أهل الكتاب

وإسراف الإفرنج فيه والأسباب المقتضية للفراق

إن من مصلحة الزوجين التي تقتضيها الفطرة ويوجبها الشرع ويؤيدها العقل

أن يبذل كل منهما جهده لإقامة حقوق الزوجية المشتركة بينهما بالتحاب والتواد

والتعاون والتسامح مع الإخلاص في ذلك كله؛ فإن سعادة كل منهما رهينة بسعادة

الآخر، وخدمتهما للإنسانية لا تتم إلا به، وما أطلق على كل منهما اسم (زوج)

الذي مدلوله (اثنان) إلا لأن إنسانية كل منهما تتم بالآخر فهو به يكون زوجا ويكون

إنسانا ينتج أناسي مثله، وكل تقصير يعرض لهما في ذلك فوباله عليهما معا سواء

وقع من كل منهما أو من أحدهما، فمن ثم وجب عليهما تلافيه بالحسنى والصبر

والمغفرة والعفو، وأقل درجات المعاملة بينهما أن تكون بالتناصف والعدل، فإن

عجزوا عن أداء الحقوق وإقامة حدود الله فيها، وعز عليهما الصبر، كان علاجهما

الأخير هو الفراق، تفاديا من الشقاء الدائم بالشقاق.

ومن ثم كان مشروعا في التوراة معللا ببعض الشرور التي تقتضيه، والذي

دون في الشريعة عند اليهود وجرى عليه العمل أن الطلاق يباح بغير عذر كرغبة

الرجل بالتزوج بأجمل من امرأته؛ ولكنه لا يحسن بدون عذر، والأعذار عندهم

قسمان: عيوب الخلقة ومنها العمش والحول والبخر والحدب والعرج والعقم وعيوب

الأخلاق وذكروا منها الوقاحة والثرثرة والوساخة والشكاسة والعناد، والإسراف

والنهمة والبطنة والتأنق في المطاعم والفخفخة، وأي امرأة تخلو من ذلك كله؟

والزنا أقوى الأعذار عندهم فيكفي فيه الإشاعة وإن لم تثبت، إلا أن المسيح عليه

السلام لم يقر منها إلا علة الزنا، وأما المرأة فليس لها أن تطلب الطلاق مهما تكن

عيوب زوجها ولو ثبت عليه الزنا ثبوتا.

وكان الطلاق معروفا عند غير أهل الكتاب من الوثنيين ومنهم العرب، وكان

يقع على النساء منه ظلم كثير عند الجميع، فجاء الإسلام فيه بالإصلاح الذي لم

يسبقه إليه سابق ولم يلحقه لاحق كسائر ما جاء به من الإصلاح.

ولكن خصوم الإسلام من الإفرنج ومقلديهم كانوا يعدون الطلاق من أقبح

مساوي الشريعة الإسلامية على إصلاحها فيه حتى اضطروا إلى تقريره والإسراف

فيه بما لا يبيحه الإسلام وجعله حقا مشتركا بين الرجال والنساء.

وأما الإسلام فقد جعل الطلاق من حق الرجل وحده؛ لأنه أحرص على بقاء

الزوجية التي أنفق في سبيلها من المال ما يحتاج إلى إنفاق مثله أو أكثر منه إذا

طلق وأراد عقد زواج آخر، وعليه أن يعطي المطلقة ما يؤخر عادة من المهر،

ومتعة الطلاق، وأن ينفق عليها في مدة العدة وقد تطول على رأي بعض الفقهاء؛

ولأنه بذلك وبمقتضى عقله ومزاجه يكون أصبر على ما يكره من المرأة فلا يسارع

إلى الطلاق لكل غضبة يغضبها، أو سيئة منها يشق عليه احتمالها، والمرأة أسرع

منه غضبا وأقل احتمالا، وليس عليها من تبعات الطلاق ونفقاته مثل ما عليه،

فهي أجدر بالمبادرة إلى حل عقدة الزوجية لأدنى الأسباب أو لما لا يعد سببا

صحيحا إن أعطي لها هذا الحق.

والدليل على صحة هذا التعليل الأخير أن الإفرنج لما جعلوا طلب الطلاق حقا

للرجال والنساء على السواء كثر الطلاق عندهم فصار أضعاف ما عند المسلمين،

وقد جاء في الإحصاءات التي نشرتها الصحف في هذا العهد أن نسبة الطلاق إلى

عقود الزواج في أمريكا بلغت 20 في المائة كما تقدم في مناسبة أخرى [*] ، ولن

تبلغ هذه النسبة في البلاد الإسلامية واحدا في المائة ولا في الألف أيضا إلا أن

يكون في مصر.

ومما قرأناه في الصحف من أخبار طلب نساء الإنكليز للطلاق الذي قبل وحكم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٦٩