تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قطعي شرعا أو عقلا، وكون أمور الغيب مخالفة للمعهود المألوف في عالم الشهادة

المادي لا يقتضي تأويلها؛ لتوافق السنن المادية، فلكل عالم سننه، وقد أقمنا

الدلائل على آيات الأنبياء وخوارق العادات مرارا آخرها ما حققناه في كتاب

(الوحي المحمدي) الذي صدر حديثا فراجعوه، وفي تفسير هذا الجزء شيء في هذا

المعنى فتأملوه.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مقدمة كتاب الوحي المحمدي

بسم الله الرحمن الرحيم

{شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو

العزيز الحكيم * إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من

بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب * فإن

حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميينءأسلمتم

فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد} (آل

عمران: 18-20)

ارتقاء البشر المادي وهبوطهم الأدبي

وحاجتهم إلى الدين

إن من المعلوم اليقيني الثابت بالحواس أن علوم الكون المادية تثب في هذا

العصر وثوبا يشبه الطفور، وتؤتي من الثمار اليانعة بتسخير الطبيعة للإنسان ما

صارت به الدنيا كلها كأنها مدينة واحدة، وكأن أقطارها بيوت لهذه المدينة، وكأن

شعوبها أسر (عائلات) لأمة واحدة في هذه البيوت (الأقطار) يمكنهم أن يعيشوا

فيها إخوانا متعاونين، سعداء متحابين، لو اهتدوا بالدين.

وإن من المعلوم اليقيني أيضا أن البشر يرجعون القهقرى في الآداب

والفضائل على نسبة عكسية مطردة لارتقائهم في العلوم المادية واستمتاعهم بثمراتها،

فهم يزدادون إسرافا في الرذائل، وجرأة على اقتراف الجرائم، وافتنانا في

الشهوات البهيمية، ونقض ميثاق الزوجية، وقطيعة وشائج الأرحام، ونبذ هداية

الأديان، حتى كادوا يفضلون الإباحة المطلقة على كل ما يقيد الشهوات من دين

وأدب وعرف وعقل، بل رجع بعضهم إلى عيشة العري في أرقى ممالك أوربة

علما وحضارة، كما يعيش بعض بقايا الهمج السذج في غابات أفريقية وبعض

جزائر البحار النائية عن العمران.

وإن من المعلوم اليقيني أيضا أن الدول الكبرى لشعوب هذه الحضارة أشد

جناية عليهم وعلى الإنسانية - من جنايتهم على أنفسهم - بإغرائها أضغان التنافس

بينهم، وباستعمالها جميع ثمرات العلوم ومنافع الفنون في الاستعداد للحرب العامة

التي تدمر صروح العمران التي شيدتها العصور الكثيرة، في أشهر أو أيام معدودة،

وتفني الملايين فيها من غير المحاربين كالنساء والأطفال، وبصرفها معظم

ثروات شعوبها في هذه السبيل وفي سبيل ظلمها للشعوب الضعيفة التي ابتليت

بسلطانها، وسلبها لثروتهم وحريتهم في دينهم ودنياهم، فالعالم البشري كله في شقاء

من سياسة هذه الدولة الباغية الخبيثة الطوية، وكل ما عقد من المؤتمرات لدرء

أخطارها لم يزد نارها إلا استعارا، ولو حسنت نياتها وأنفقت هذه الملايين التي

تسلبها من مكاسب شعوبها وغيرهم في سبيل الإصلاح الإنساني العام لبلغ البشر بها

أعلى درجات الثراء والرخاء.

كل ما ذكر معلوم باليقين، فهو حق واقع ما له من دافع، ومن المعلوم من

استقراء تاريخ هذه الحضارة المادية أن هذه الشرور كانت لازمة لها، ونمت بنمائها،

فكان هذا برهانا على أن العلوم والفنون البشرية المحض غير كافية لجعل البشر

سعداء في حياتهم الدنيا، فضلا عن سعادتهم في الحياة الآخرة، وإنما تتم السعادتان

لهم بهداية الدين، فالإنسان مدني بالطبع، أو بالفطرة كما يقول الإسلام.

من أجل ذلك فكر بعض عقلاء أوربة وغيرهم في اللجوء إلى هداية الدين،

وأنه هو العلاج لأدواء هذه الحضارة المادية والترياق لسمومها، وتمنوا لو يبعث

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١١٤