…
ومع هذا أصرح بأنني لا
أغتر فأقول: إن لي خصوصية عند الله تعالى وإنه انتقام لي خاص، وإنما هو جار
بأسبابه الظاهرة، وقد يدخل في معنى ما ذكرته في تفسير قوله تعالى في البغاة: {يا
أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} (يونس: 23) الآية، ولكن جمهور الناس
يعدون مثله من كرامات الأحياء والميتين، ويذكر الشعراني وأمثاله من ناشري
الخرافات في كرامات السيد البدوي وغيره وقوع البلاء والمصائب على المعترضين
عليهم أو على موالدهم بحق، فذكرته عبرة لهؤلاء ولغيرهم.
* * *
استجابة الدعاء
أحمد الله تعالى ولا أحصي ثناء عليه أنه استجاب دعائي له بالإيمان
والإخلاص والتوجه الصادق في أمور كثيرة جدا لا أحصيها، منها ما ظهر لي
بالتدقيق في السنن والنواميس التي ترتبط بها الأسباب بالمسببات، أنه من توفيق
الأقدار للأقدار، وعلم ما لم أكن أعلم، وتسخير ما لا يصل إليه كسبي من الأشياء
والأشخاص، ومنها ما لم تظهر لي فيه الأسباب، حتى صح أن يعد من خوارق
العادات.
ثم أحمده عودا على بدء، ودواما أسأله الثبات عليه إلى آخر العمر، أن ظهر
لي فيما لم يستجبه لي بعينه أن استجابه بالمعنى المقصود منه، وفيما لم يستجبه
بعينه ولا بالمعنى المقصود منه أن كان الخير لي في عدم استجابته كله، وأذكر منه
دعائي وتضرعي إليه عز وجل أن يسخر لي رجال الدولة العثمانية فيما طلبته منهم
ومكثت عندهم سنة كاملة أسعى له عندهم، وهو إنشاء جمعية ومدرسة للدعوة
والإرشاد، أو للعلم والإرشاد في عهد ظهور العصبية الطورانية ونجوم قرون
الإلحاد، فقد تم إنشاء الجمعية رسميا وتم صدور الأمر من مجلس الوزراء
بتخصيص المال اللازم للمدرسة، ولكن لم يتم تأسيسها بالفعل المقتضي لإقامتي في
الآستانة، وكان الخير لي أن عدت إلى مصر فأسست الجمعية والمدرسة فيها، ثم
ظهر لي أن عدم السكنى في الآستانة كان خيرا لي بما كان في أثناء الحرب الكبرى
من بغي الترك على العرب وتقتيل زعمائهم وطلاب ارتقائهم، وقد كنت في مقدمتهم،
وحكم علي بالقتل (الإعدام) مرتين أو أكثر، نعم إن الأجل محتوم، والعمر
محدود معدود، ولكنه مرتبط بالأسباب في نظام القدر المعلوم، على أن المقام في
تلك البلاد في زمن تلك الحرب كان محفوفا بالقهر والفقر والخوف والذل، ولا سيما
مثلي من العرب، ودعاة الدين ورجال السياسة، وأين منه المقام في مصر التي
كانت جديرة بأن يحسدها الملوك والأمراء في كل قطر، أمان واطمئنان، وسعة في
الرزق وجميع مرافق الحياة؟ وأما حالها بعد الحرب، فهو شر علي مما كان في
زمن الحرب.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">