العلامة المصلح الشيخ محمد أمين الشنقيطي
[1]
في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله لا يقبض العلم
انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق
عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) أو كما قال [2]
وعن ابن مسعود: (كل يوم ترذلون، لا أقول: عام أخصب من عام، ولا
أمير خير من أمير ولكن بذهاب علمائهم فيضعف الإسلام) أو كما قال [3] .
أنعي إلى الأمة الإسلامية أحد أركان العلم والإسلام وأنا في غاية الحزن
والأسى ألا وهو العلامة المتبحر في العلوم المجاهد العالم صاحب الفضيلة الأستاذ
الشيخ محمد بن أمين الشنقيطي المغربي القاطن ببلد الزبير من أعمال البصرة.
مولده ومنشؤه في قبيلته (إذ بلحسن) أي بني الحسن قبيلة عظيمة من قبائل
العرب من أهل شنقيط معرفون بالعلم والشجاعة، وقد نبغ منهم خلق من العلماء
والشعراء، رحل الفقيد إلى الشرق وهو شاب بعدما درس العلوم التي تدرس ببلاده
ولما وصل إلى مكة وجد بها العلامة الكبير الحافظ الشيخ شعيب الدكالي بارك الله
في حياته فألقى بها عصا التسيار، ولازم العلامة المذكور سنين، وكان أستاذه هذا
معجبا به حتى إنه كان يرد إليه المسائل الأدبية فيتكلم فيها أثناء الدرس، ثم زار
الشيخ شعيبا أحد أعيان أهل البصرة ممن كانوا يلقبون بكلمة (الباشا) التركية في
عهد الترك، فسأل هذا الوجيه الحافظ الدكالي أن يبعث معه من يرتضيه من العلماء
ليؤسس له مدرسة ومسجدا ويقف عليهما ما يكفي للنفقة عليهما من المال، فندب
لهذا الأمر صاحب الترجمة فامتثل أمره وتوجه إلى الزبير، وأقام بها ينشر العلم
صابرا على أذى شياطين المتفقهة ممن يشرقون بنشر العلم النافع المحمدي الصحيح؛
لأنه يبطل نواميسهم ومكرهم الذي نصبوه حبالة لصيد الحطام، وقد أجمعوا
أمرهم على إخراجه وشكوه مرارا، وهو صابر ثابت على خطته في نشر العلم
والإعراض عن الجاهلين، وكان رحمه الله آية في الحلم، بعيني رأيت أكبر أعدائه
الذي كان سببا لكل ما أصابه من الأذى التجأ إليه في شدة أصابته فقابله الشيخ الفقيد
بما جبل عليه من البشاشة وأخرج أوراقا مالية فناوله إياها، ثم أمر أحد التجار أن
يعطيه عدة أكياس من الرز على حسابه، هذا بعد ما فشل ذلك الشيخ المشاغب في
جميع محاولاته. وواقعات حلمه مشهورة، وكان سراجا منيرا في الخليج الفارسي
وبلاد العراق ونجد.
وفي زمن الحرب الطرابلسية شد الرحل من العراق إلى طرابلس للجهاد،
وسافر إلى بلاد نجد ليستوطنها فرارا من الكون تحت تأثير الأوربيين فلم يستقم له
ما أراده، فرجع بعد ما أقام بعنيزة أربع سنين قضاها كلها في نشر العلم والعمل،
وترك أهل عنيزة كلهم ألسنا ناطقة بالثناء عليه، ثم توجه إلى الكويت وما مضت
عليه هناك إلا ليلة واحدة حتى نفي لاتهامه بعداوة الإنكليز، فتوجه إلى الزبير ثانية،
وأسس (مدرسة النجاة) هناك وكانت الأمية والجهل مخيمين على بلدة الزبير،
فحاربتهما هذه المدرسة بأن ضمت بين جدرانها مئات من أولاد إسماعيل وقحطان،
فهذبت من أخلاقهم، وتخرج فيها خلق من الكتاب والأدباء والعلماء، ولا تزال
قائمة إلى الآن.
ولما ازدهرت هذه المدرسة التهبت قلوب المتفقهة حسدا، وكبر عليهم مقام
الشيخ وتذكيره بآيات الله، فأجمعوا أمرهم ليقضوا عليه ولا ينظروه، فرموه بأنه
يعلم تعليما وهابيا يسمم أفكار شبان العراق، زخرفوا هذه الوشاية إلى ولاة الأمر
ليقطعوا الإعانة التي كانت تتلقاها المدرسة من وزارة الأوقاف العراقية، ومن وزارة
المعارف ومجموعهما اثنا عشر ألف روبية، فكادت المكيدة تنجح ولكن الشيخ بادر
بالتوجه إلى بغداد وعرض عليهم منهاج الدروس ولم يكن فيه شيء مما يسميه
الجهلة وهابية إلا العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية (ولا يخفى أن الجهلة