تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

62-63

) وبما أعده تعالى له من مكارم الأخلاق وما وفقه وأرشده إليه من حسن

السياسة المبينة في قوله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ

القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} (آل

عمران: 159) الآية. وذلك أن العرب كانت أعصى خلق الله على الخضوع

والطاعة والانقياد لعراقتهم في الحرية، وشدة بأسهم، وعدم وجود الملوك المستبدين

القاهرين والرؤساء الروحيين المسيطرين فيهم.

فليدلنا علماء التاريخ العام على نبي من الأنبياء، أو حكيم من الحكماء، أو

ملك من الملوك الفاتحين والمشترعين، ربى أمة من الأمم في عشر سنين، فجعلهم

أهلا لفتح الأمصار، والسيادة على الأمم الحضرية وسياستها بالعدل والرحمة،

وتحويلها عن أديانها ولغاتها بالإقناع وحسن القدوة، ولا تشترط أن تكون هذه الأمة

التي علمها وهذبها ووحدها رجل واحد كالأمة الحضرية وسياستها بالعدل والرحمة،

وتحويلها عن أديانها ولغاتها بالإقناع وحسن القدوة، ولا تشترط أن تكون هذه الأمة

التي علمها وهذبها ووحدها رجل واحد كالأمة العربية في أميتها وجاهليتها وتفرقها

وتعاديها ومرور القرون عليها وهي تتوارث هذه الصفات، فأين الوحدة الجرمانية

والوحدة الطليانية في عصر العلوم والفنون والفلسفة والقوانين ونظم الاجتماع

والحرب، من الوحدة العربية المحمدية في عهد الأمية والجاهلية؟ بل أين الوحدة

الإسرائيلية في عهد الآيات والعجائب الكونية من الوحدة العربية الخاصة، ثم

الوحدة الإسلامية العامة في عهد آيات القرآن وعلومه الإلهية وبيان السنة المحمدية

لها؟

ثم نفذ ذلك التشريع الأعلى، والهداية المثلى، خلفاء محمد الراشدون، وكثير

من ملوك المسلمين الصالحين، بما شهد لهم به تاريخهم، واعترف لهم به

المؤرخون المنصفون من الإفرنج وغيرهم، بأنهم جددوا بهما الحضارة الإنسانية

ورقوها، وأحيوا العلوم والفنون الميتة وهذبوها واستثمروها، وكانوا أساتذة جميع

من جاء بعدهم فيها.

ثم كان من قوة هذا الدين ومتانته أن عادته جميع أمم الإفرنج وحاربته بجميع

قواتها الصليبية، الهمجية منها والمدنية، ثم بعلومها وفنونها ونظمها المدهشة، ولا

تزال تحاربه وتبذل الملايين لتحويل أهله عنه، بعد زوال قوة دوله، وغلبة الجهل

على شعوبه، ولم تستطع أن ترد رجلا واحدا عنه قد كان عرفه. أفما آن لها أن

تعقل أنها لو اعترفت له بحقه، لأمكنها أن تصلح العالم كله به؟ ؟

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

النتيجة

المقصود بالذات

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٤٣