أنا والأديب الشنقيطي
طالعت مقال الأستاذ الأديب (محمد الأمين الشنقيطي) الذي رد به على
مقالي المنشور في الجزء الخامس من مجلة (الرابطة الغراء) تحت عنوان
(الوهابيون والتوسل) أو (التوسل والأستاذ البيطار) ويلخص هذا الرد بما جاء في
طليعته من قوله: (لم يكن قصدي في هذا المقال إلا إثبات ما أنكره الأستاذ من أن
رجال مذهبه الوهابي لم يكفروا المشركين) .
أقول: أما المشركون فهم بما أشركوا في غنى عن التكفير؛ لأن الشرك كفر
وزيادة، بل هو شر أنواع الكفر على الإطلاق قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن
يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء: 48) وقال عز وجل: {ومن
يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} (الحج: 31) وقال سبحانه: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا
خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من
علم إن كنتم صادقين * ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى
يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا
بعبادتهم كافرين} (الأحقاف: 4-6) وقال عز من قائل: {ذلكم بأنه إذا دعي
الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير} (غافر: 12)
وقال سبحانه: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا
ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} (الزمر: 45) .
فإن قيل: إن هذه الآيات قد نزلت في المشركين الأولين، أجيب بأن هذا حق؛
ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يقول علماء الأصول [1] فيتناول
عمومها كل من اتصف بوصفهم، وتلبس بشركهم والعياذ بالله تعالى، ومناط الحكم
فيها هو دعاء غير الله بما لا يدعى به إلا الله، فهي تعم كل من شمله عمومها،
وتناوله حكمها، من المشركين الأولين والآخرين إلى يوم الدين.
أما إذا كان الغلط الواقع في كلام الأخ الأمين مطبعيا، وكان أصل المراد أن
رجال المذهب الوهابي يكفرون المسلمين فهذا غلط عليهم، وحاشا لله أن يكفروا
مسلما موحدا، وسيأتي مزيد من بيان لذلك، إن شاء الله.
وأما استدلاله بحديث الأعمى الذي هو أقوى ما في هذا الباب، فقد تقدم في
كلام الأستاذ الدجوي، وأجبنا عنه بأنه على فرض صحته قد دل أوله وآخره على
أنه توسل إلى الله تعالى بصلاته، وبما علمه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم
من الدعاء، ثم بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم له، وهو العمدة في ذلك، وقول
الأستاذ الشنقيطي في تعليل رجحان التوسل بالذات على الدعاء الصادر منه صلى الله
عليه وسلم؛ لأن الضرير جاء طالبا الدعاء فعدل عن الدعاء وأمره بهذا التوسل -
غير مسلم؛ لأنا نقول إن هذا التوسل نفسه من الدعاء، ولا أدري من أين فهم أن
الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدع له، مع أن الله تعالى قبل شفاعة النبي فيه
ودعاءه له، فرد عليه بصره، وكان ذلك معجزة للنبي صلوات الله عليه مصدقة
لرسالته، مؤيدة لدعوته، كسائر معجزات الرسل، وكانت خاصة بذلك الأعمى
الذي دعا له، دون عبد الله بن أم مكتوم مثلا وقد كان مؤذنه صلى الله عليه وسلم
وأشد لصوقا به من ذلك الأعمى؛ لكنه لم يدع له ولم يسأله هو ذلك بل صبر كما
أمر، بل دون سائر عميان الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم
لم يدع لهم، بل دون سائر العميان في كل زمان ومكان، ولو كان التوسل فيه
بالذات الطاهرة، التي لا تنقص حرمتها بعد الانتقال إلى الدار الآخرة، للزم منه أن
كل أعمى دعا بهذا الدعاء، وتوسل بسيد الأنبياء يرتد بصيرا، واللازم باطل
فالملزوم مثله كما هو ظاهر، على أن توسل الأعمى واقعة عينية يثبت الحكم في
نظائرها وأشباهها في مناط الحكم، وقد علمت أن الأعمى طلب في أول الحديث
الدعاء فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ما يدعو به لنفسه أيضا، وأمره أن يقول