تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المؤتمر الإسلامي العام في بيت المقدس

تمهيد تاريخي:

إن عدد المسلمين في هذا العصر أربعمائة مليون نفس أو يزيدون، وهم على

استحواذ الجهل والفقر والتفرق عليهم لا يزالون يشعرون بأخوة الإسلام ووحدته،

وهم يملكون أعظم ثروة من الأرض وأعظم هداية للبشر، لو عرفوا كيف ينتفعون

بهما لسادوا العالم كرة أخرى أعظم وأوسع من السيادة الأولى، وأقرب الوسائل إلى

نشر هذه المعرفة وتعميمها والسعي للعمل بها: عقد المؤتمرات وتأليف الجمعيات.

قد فكر أفراد من كبار أصحاب الرأي من المسلمين منذ أواخر القرن الماضي

للهجرة بشدة الحاجة إلى الاجتماع للبحث في أسباب ضعف أمتهم، وما يجب من

معالجته وإعادة مجدهم السابق بما تقتضيه حالة هذا العصر من علم وعمل، وإلى

تأليف جمعية عظيمة ذات فروع كثيرة للقيام بذلك، وكان أعظم هؤلاء المفكرين

قدرا وأقواهم تأثيرا موقظ الشرق وحكيم الإسلام السيد جمال الدين الأفغاني، وقد

نبهنا أمتنا لهذا الأمر العظيم في المنار مرارا كثيرة من أول نشأته إلى الآن، من

قبل أن نسمي الاجتماع لهذا البحث مؤتمرا.

وكان أول ما بسطنا به هذا الرأي مقال عنوانه (الإصلاح الديني المقترح على

مقام الخلافة الإسلامية) نشرناه في العدد الذي صدر في المنار في السنة الأولى

بتاريخ 3 شعبان سنة 1316 (فيراجع في ص 764 من الطبعة الثانية لمجلد المنار

الأول) وقد جاء فيه ما نصه:

(ويتوقف هذا الإصلاح على تأليف جمعية إسلامية تحت حماية الخليفة يكون

لها شعب في كل قطر إسلامي، وتكون عظمى شعبها في مكة المكرمة التي يؤمها

المسلمون من جميع أقطار الأرض، ويتآخون في مواقفها الطاهرة، ومعاهدها

المقدسة، ويكون أهم اجتماعات هذه الشعبة في موسم الحج الشريف، حيث لا بد

أن يوجد أعضاء من بقية الشعب التي في سائر الأقطار يأتون الحج فيحملون إلى

شعبهم من المجتمع العام مما يستقر عليه الرأي من التعاليم السرية والجهرية، وهذا

أحد مرجحات وجود الجمعية الكبرى في مكة المكرمة على وجودها في دار الخلافة،

وثم مرجحات أخرى من أهمها البعد عن دسائس الأجانب ووساوسهم، والأمن من

وقوفهم على ما لا ينبغي وقوفهم عليه في جملته أو تفصيله (ومنها) أن لشرف

المكان ولحالة قاصديه الدينية أثرا عظيما في الإخلاص والتنزه عن الهوى والغرض،

فضلا عن الغش والخيانة. وينبغي أن يكون للجمعية الكبرى جريدة علمية دينية

تطبع في مكة أيضا، وأية شعبة استطاعت إنشاء جريدة تنشئها) .

وقد بينا في تلك المقالة ومقالة أخرى بعدها أهم ما يجب أن تقوم به هذه

الجمعية الكبرى من الإصلاح لجمع كلمة المسلمين والقيام بمصالحهم العامة،

وتجديد تبادل الرأي في كل عام، وهو ما أعدنا الآن بيانه واقتراح بعضه في

مؤتمر بيت المقدس في شهر شعبان الماضي أي بعد 35 سنة كاملة من كتابة هاتين

المقالتين.

مؤتمر أم القرى الخيالي:

ثم جاء مصر الحكيم الاجتماعي المفكر السيد عبد الرحمن الكواكبي فكان من

خيار أصدقائنا الذين نحاورهم ونسامرهم في موضوع الإصلاح الإسلامي، وكان قد

وضع قبل رحلته هذه كتاب (سجل جمعية أم القرى) الذي هو أوسع شرح لمشروع

أعظم مؤتمر إسلامي للإصلاح العام، وكان مختصرا فزاد فيه شيئا كثيرا بعد

المذاكرات الطويلة بينه وبيننا نحن وغيرنا من المفكرين والباحثين في الإصلاح

الديني والمدني والسياسي، ونقح بعضه، وإن لدي نسخته الأصلية المخطوطة

الشاهدة على ذلك، ولما طبعه واطلع عليه أحمد مختار باشا الغازي الشهير اتهمني

بتأليفه لكثرة ما كان بيني وبينه - أي الغازي - من المذاكرات في موضوعه، وقد

ذكرت هذا في ترجمة الكواكبي في عهد الغازي، ولو كان الغازي متقنا للغة العربية

لما اتهمني بذلك؛ فإن عبارة الكتاب ضعيفة وفيها كثير من اللحن والغلط، ولذلك

اتفقت مع مؤلفه رحمه الله تعالى على تصحيح عبارته وبعض التنقيح فيه ونشره في

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٦٧