أرسل إلى السودان حتى المسجل منه وأحرقته ومنعت دخوله في تلك البلاد،
واستمر هذا المنع إلى سنة 1345 ثم طلبنا من حكومة السودان الحاضرة الإذن به
فأذنت.
كان يقع لنا مثل هذا فلا نهن لما أصابنا في سبيل الله، ومشيخة الأزهر لا
تبدئ في الدفاع عن الإسلام ولا تعيد، والأمة في شغل عن المبشرين بالسياسة أو
الشهوات، حتى تفاقم شرهم، وصار مثل القس زويمر منهم يدخل الأزهر ويزور
بعض علمائه في بيوتهم داعيا إلى النصرانية، حتى كاد يبطش به صديقنا الأستاذ
الشيخ علي سرور الزنكلوني في الأزهر مرة واشتهرت الحادثة، ولكن الأمة قد
استيقظت في هذه السنة بكثرة ما تنشره الجرائد من حوادث كاستمالتهم للشبان
بالنساء الجميلات، وقلب أفكارهم بالتنويم المغناطيسي، وإغوائهم للبنات في
مدارسهم، بالترغيب والترهيب، وكذا الضرب والتعذيب، وليس للحكومة عندهم
أدنى قيمة، وسنبين في الجزء التالي ما يجب عمله في كف عدوانهم.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
تقريظ المطبوعات الجديدة
(بقية ما كتبناه للجزء الماضي من الرد على كتاب فريد أفندي وجدي
(الإسلام دين عام خالد) وزعمه فيه أن الإسلام هو أن يعمل كل إنسان بعلمه وعقله
وتفكيره بدون تلقين من أحد، وهو ما فسر به دين الفطرة، أي الطبيعة. وهذا
الزعم هدم لدين القرآن لا تفسير له، ولا توحيد لجميع الأديان، كما يزعم، ويعلم
القارئ ببطلان زعمه بالإيجاز مما يأتي:
(1) الإنسان عالم اجتماعي يعيش بالتعاون العلمي والعملي، وتنمى معارفه
كلها بتلقي بعض أفراده من بعض حتى إنه يستحيل أن يكون لكل فرد دين هو وليد
فكره وعقله وحده لم يتلق منه شيئا من عشرائه، ومن انفرد بشيء فقلما يوافقه عليه
قومه، إذن يستحيل أن يكون ما ذكره هو الدين في كل قوم أو في البشر كلهم،
فتعين أنه يريد أن يكون لكل فرد دين يصح أن يسمى الإسلام.
(2) إن كانت الطبيعة التي يولد عليها كل طفل من البشر هي دين الله
الحق الذي سماه الإسلام، فكل ما يهتدي إليه الإنسان من أول نشأته إلى آخر حياته
بعلمه وتفكيره وعقله هو دين الإسلام، ومنه عبادة بعض الحشرات وغيرها من
حيوان ونبات وجماد، وهو يقتضي أن قبائل الهمج من معطلة ووثنية كلهم على
الإسلام، وأن الذي لا يصح أن يكون من دين الإسلام هو ما جاءهم به النبيون
المرسلون؛ لأنه تلقين تلقوه من الوحي ولقنوه للناس، لم يكن مما وصلوا إليه
بعلمهم وتفكيرهم.
(3) هل فهم أولئك العلماء المنتهون من تراجم القرآن بلغاتهم (وهو يشهد
لها بالصحة والدقة في تحديد معانيه) هذا المعنى الذي قرره في الآية؟ وهل كان له
من الوقع العظيم في عقولهم ما وصفه وصاروا به مسلمين مؤمنين بنبوة محمد
صلى الله عليه وسلم، ويكون القرآن كلام الله تعالى؟ أم هي مترجمة بلغاتهم بغير
المعنى الذي فسرها هو به، فيكون إيمانه موقوفا على اطلاعهم على تفسيره؟
وكيف السبيل إلى اقتناعهم بتفسيره لها في هذه الحال وترجيحه على ما يخالفه من
فهم علمائهم وعلماء المسلمين كافة؟
(4) إذا أعجب هؤلاء العلماء المنتهون بهذه الآية من القرآن، وبالآية
الجامعة بين تنزيه الخالق عز وجل ووصفه ببعض صفات خلقه وهي {ليس كمثله
شيء وهو السميع البصير} (الشورى: 11) وأكبروا مخاطبة البشر بهما من
زهاء أربعة عشر قرنا كما قال، واتخذوهما منهاجا من مناهجهم العلمية الكسبية
بعقولهم، يسيرون عليها في تطلابهم للوصول إلى روح الوجود العام، أو وصاله
وصال العشاق للمعشوقات، وكان الأستاذ محمد فريد أفندي وجدي يعدهم بهذا
مسلمين دائنين بدين القرآن، وإن لم يتبعوا ما أنزله الله تعالى فيه من عقائد
وعبادات وآداب وشرائع، ولم ينتهوا عما نهى عنه من المحرمات والرذائل؛ لأن