التبشير أو التنصير في مصر
ماضيه وحاضره ومساعدة الحكومة له
ليس في مصر من الحملة الدولية الصليبية على الإسلام كل ما في
المستعمرات الأوربية منها، ليس فيها مسألة كمسألة البربر في المغرب ومسألة
العلويين في سورية، ولا كمسألة التجنيس في إفريقية الفرنسية كلها، ولا كمسألة
الجلاء والإبادة في طرابلس الغرب وبرقة؛ إذ لا مجال فيها لهذه الحملات وهي
ذات حكومة إسلامية مستقلة بنفسها، معترف باستقلالها من جميع الدول، وما كانت
سيادة الدولة العثمانية السياسية عليها إلا مزيد حصانة لها ووقاية من هذا النوع من
الحرب الصليبية.
بيد أن استقلالها وتلك السيادة عليها من قبل لم يكونا واقيين لها ولا للإسلام
فيها ولا في تلك الدولة من سائر أنواع الحرب الصليبية، فقد اعتدى على استقلالها
الفرنسيس ثم الإنكليز، وقد اعتدى على إسلامها الفريقان وغيرهما بالتعليم الإلحادي
وبجميع وسائل التنصير من دعاية لسانية وكتابية وتعليم وتطبيب وإغراء وإغواء
بالمال والشهوات وغير ذلك، وقد وجدوا من حكومتها المتفرنجة كل مساعدة مالية
وإدارية على جميع ذلك، وكان نجاحهم في التعليم الإلحادي أتم من غيره، فهو الذي
جعل نفوذهم السياسي والأدبي والاقتصادي يعلو ولا يعلى، ويحطم كل ما تحته من
نفوذ للحكومة المصرية، ومن حرمة للأمة المصرية، واشتد هذا النفوذ من إسماعيل
باشا إلى اليوم، فكانت مدارس الأجانب الإلحادية والتنصيرية تساعد من الحكومة
المصرية بالمال وبهبة المباني والأراضي، وبإعفاء ما يرد لها من بلادها من الكتب
المراد بها هدم الإسلام ومن الأدوات المدرسية وغيرها من رسوم المكس (الجمرك)
وكان الوزراء والكبراء ثم الأوساط فالفقراء - وما زالوا - يعلمون أولادهم ذكرانا
وإناثا فيها، ويفضلون تربية القسيسين والرهبان والراهبات والمبشرين والمبشرات
على تربية المدارس المصرية الأميرية وغيرها، ولم يكن أحد ممن يقذفون بأولادهم
أو ينبذونهم فيها يبالي عاقبة هذا التعليم في جنايته على الدين والدنيا: أما الدنيا فلأن
زمامها في أيدي هؤلاء الإفرنج فصارت تطلب بالزلفى عندهم، ولقد قال اللورد
سالسبوري: إن مدارس المبشرين أول خطوات الاستعمار فإن أول عملها إحداث
الشقاق في الأمة التي تنشر فيها.. وأما الدين فلأنه لم يعد مما يراد في مصر من
التربية والتعليم، إذ قررت الحكومة المصرية جعل ما كان واجبا من تعليمه والعمل به
أمرا اختياريا لا شأن له ولا يطالب التلاميذ به، فصار الدين في مدارسها كالشيء اللقا
(اللقا بالفتح ما يلقى ويطرح لعدم الحاجة إليه) وهي تعلم أن أئمتها من الإفرنج
يجعلونهما من الفرائض القطعية التي لا هوادة فيها، ويجبرون عليهما كل من يعلمونه
من أبناء دينهم ومن المسلمين.
زال ما كان من رسوم ماثلة للدين من مدارس الحكومة على ما كان من قلة
غنائه، وتعليم الأزهر وملحقاته للدين أصبح عقيما في هذا العصر على أنه
محصور بين حيطانه في دروس تلك الكتب التي صار ضرها أكبر من نفعها كما
بيناه بالبرهان مرارا، وأقمنا الحجة اللسانية به على شيخ الأزهر لهذا العهد في
محفل حافل، والخرافات الدينية فاشية في الأمة من جهة، ونزغات الإلحاد
والتفرنج من جهة ثانية، فخلا الجو للمبشرين في التعليم الديني بالأساليب العصرية
الموافقة لأذهان التلاميذ، ومبدأ الدين فطري في أنفس البشر، فإن لم يوجد من
يلقن النشء دين الفطرة المعقول قبلوا من يلقنهم أي دين كان قبل الرشد واستقلال
العقل.
ذلك، ولم يوجد في مصر هيئة دينية حكومية ولا ملية تتولى أمر التربية
الإسلامية العامة ومراقبة سيرها في الأمة، ولا العناية ببث التعليم الديني السهل
والوعظ العام في طبقات الأهالي ولا سيما تعليم البنات، وإرشاد الأمهات،
كالهيئات البطركية والحاخامية عند النصارى واليهود، ولم يوجد فيها جمعيات