ربيع الأول - 1351ه
يوليو - 1932م
الكاتب: محمد بهجت البيطار
-----------------
<span class="footnote">
نداء للجنس اللطيف
يوم ذكرى المولد المحمدي الشريف
من سنة 1351
في حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام
(تابع لما نشر في الجزء الماضي)
42- تحريم النساء على النبي صلى الله عليه وسلم
بعدما تقدم
قال تعالى بعد هذه الآية من سورة الأحزاب في التوسيع على نبيه صلى الله
عليه وسلم في أمر النساء، وما كان لها ولما قبلها من اتعاظ نسائه وتأدبهن ومن
اختيارهن البقاء معه صلى الله عليه وسلم مع القشف والزهد، على الحياة الدنيا
وزينتها مع فراقه:
{لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن
إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا} (الأحزاب: 52) .
ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية نزلت في مكافأة أزواج النبي التسع
على اختيارهن مرضاة الله ورسوله وثواب الدار الآخرة على نعيم الحياة الدنيا
وزينتها، فحرم عليه أن يتزوج عليهن أو يستبدل بهن أزواجا أخرى، وأن قوله
تعالى (من بعد) معناه: من بعد هؤلاء التسع اللائي في عصمتك، أو من بعد
اختيارهن لك، وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير من كبار مفسري التابعين: أن
المعنى: لا يحل لك النساء بعد الذي أبيح لك في الآية السابقة، أي: من التصرف
في معاملة أزواجك التسع كما تشاء، ومآله أنه لم يبق لهم من سبيل إلى إزعاجك
بما كن يزعجنك به، الذي أدى إلى تهديدهن بالطلاق، والتخيير بين الإمساك
والفراق.
وقوله تعالى: ﴿ولو أعجبك حسنهن﴾ (الأحزاب: 52) ظاهر في حبه
صلى الله عليه وسلم للحسن والجمال، وكيف لا وهو الكامل الذوق والخلال، القائل:
(إن الله جميل يحب الجمال) [1] ولكنه كان يؤثر المصلحة على التمتع النفسي،
ويشرع الله له ما هو أليق بمقامه الإصلاحي، لا ما تدل عليه كلمة عائشة بقرينة
غيرتها الزوجية من كل ما تهواه نفسه.
واستثنى ههنا ملك اليمين وهو مما يسوءهن لو حصل؛ ولكنه لم يحصل، فهو
لم يسترق سبية، ولم يشتر أمة يتسرى بها؛ وإنما كان تسريه المعروف قبل ذلك،
والمراد بكل هذا إكمال تربية الأزواج الطاهرات المختارات حتى لا يعدن إلى تلك
الصغائرالنسائية المزعجات له صلى الله عليه وسلم؛ وبذلك كمل إيمانهن بكماله.
ومن المعلوم بالطبع أن أهم ما يهم المرأة من زوجها هو وظائف الزوجية
ووسائل المعيشة، وأن المرأة أعلم الناس بضعف بعلها البشري، وأن صفاته
الزوجية قد تحجبها عن خصائصه الروحية والعقلية، وتعد الصغير من ذنبه معها
كبيرا، والقليل من تقصيره كثيرا، وقد قال صلى الله عليه وسلم في بعض مواعظه
للنساء: (يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار)
فسألنه عن السبب فقال: (إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير) يعني الزوج، أي:
ينكرن فضله ومعروفه [2] .
فمن ثم قال بعض علماء الإفرنج: إن سبق خديجة إلى الإيمان بمحمد ويقينها
فيه من أقوى الدلائل على صدقه، وكذلك كان سائر نسائه صلى الله عليه وسلم في
قوة الإيمان به واتباع هديه وإيثار الشرف بزوجيته مع القشف والشظف، على كل
ما في الدنيا من زينة وترف.
43- آية الحجاب
(لبيان ما يجب على المؤمنين من الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأزواجه، وما يحرم عليهم من إيذائه)
قد فطر الله محمدا على مكارم الأخلاق وعقائل الآداب، وكمل أخلاقه وآدابه
بوحيه إليه هذا القرآن، ينبوع الحكمة وشمس العرفان، ووصفه فيه بقوله:
﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (القلم: 4) وقوله: {فبما رحمة من الله لنت
لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} (آل عمران: 159) .
وكان على رحمته ولينه ولطفه وحلمه، وقورا مهيبا وشجاعا باسلا، وجليلا
حلاحلا، حتى كان بعض من يجيئه معاديا يريد الفتك به ترتعد فرائصه عند رؤيته