المجلد رقم (33)
ذو القعدة - 1351ه
مارس - 1933م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
فاتحة المجلد الثالث والثلاثين من المنار
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد ولد آدم
محمد رسول الله وخاتم النبيين * المبعوث لإصلاح البشر أجمعين * الذي امتن
عليه ربه بقوله: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء: 107) وآله
وصحبه ومن اتبعهم في هدي ملته والتزام سنته إلى يوم الدين.
{رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني *
يفقهوا قولي} (طه: 25-28) .
أما بعد، فإنني أذكر من يعقل من المسلمين في فاتحة هذا المجلد من المنار،
وهو الثالث والثلاثون الذي يصدر في السنة السادسة والثلاثين الهجرية من تاريخ
إنشائه بأهم ما يجب أن يفكروا فيه من حالهم ومآلهم على بصيرة من علم الحياة
الذي عرفه شيخنا الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى بقوله: (العلم ما يعرفك من أنت
ممن معك) فأقول:
إن الإسلام دين إيمان وعبادة، وعلم وحكمة، وسياسة ملك ودولة، وأساس
عمران وحضارة، خاطب الله تعالى به جميع البشر يدعوهم به إلى الإصلاح العام
بالمساواة بين جميع الأجناس، ونبذ التفرق بينهم بالأنساب والألوان، واللغات
والأوطان، بما شرعه في كتابه القرآن، من القواعد والأحكام والآداب.
بعث الله به نبيا أميا في أمة أمية غير مقيدة بسلطة روحية ولا سياسية تحول
دون فهمه، والنهوض به وتنفيذه، ففعل به هذا النبي وأصحابه في عصر واحد ما
لم يفعله نبي من الأنبياء بما أوحي إليه، ولا حكيم من الحكماء بفلسفته، ولا ملك
من الملوك بسياسته، ولا أديب من الأدباء برأيه وبلاغته، ولا جملة من ذكرنا من
رؤساء البشر وزعمائهم في جميع عصورهم.
ظهر في آسية مهد الأديان الكبرى السائدة في جميع العالم، والحكمة العليا
والحضارة الأولى اللتين استمد منهما سائر البشر حكمتهم وحضارتهم من قبله،
فاستعلى بدينه وحكمه وحكمته وسياسته وحضارته على كل ما كان لدى شعوب
البشر من ذلك كله فيهما، وتدفق سيله على أفريقية فغمرها من الرجا الشرقي إلى
الرجا الغربي منها، فأحيا الأرض بعد موتها، وفاض شؤبوب منه على أوربة،
فأنبت في الأندلس دولة راقية بالعلم والأدب والعمران اقتبست منها سائر شعوبها
العلم والحكمة والحضارة، ثم امتد فتحه إلى الجنوب منها بما أنذرها قرب الاستيلاء
عليها كلها.
ولكن الفاتحين من الصحابة والتابعين كانوا قد اختلطوا بغيرهم ممن كان
حظهم من الفتح ترجيح الغنائم والكسب، على الإصلاح والعدل، فنفخوا في
الإفرنج روح العصبية الدينية والقومية، حتى انتهى ذلك باتفاق شعوب أوربة كلها
على عداوة الإسلام فوجهت جميع قواها إلى محاربة المسلمين بقتالهم لإخراجهم من
بلادها التي فتحوها في فرنسة وأسبانية، ثم بمحاربته في غيرها من بلاد الشرق،
ثم بما هو أشد من ذلك خطرا وأعمق أثرا، وهو بث نفوذهم المعنوي في ملوكهم
وحكوماتهم ومدارسهم وكتبهم وصحفهم، حتى صار زعماء المسلمين من حكام
وكتاب ومعلمين ومؤلفين يخدمون أوربة ببث نفوذها المعنوي في شعوبهم وإضعاف
جميع مقوماتها ومشخصاتها الملية والقومية من حيث لا يشعرون، ولا أستثني منهم
الذين يدعون إلى مقاومة نفوذها باستقلال بلادهم وتقليص ظلها عنها إلا قليلا منهم.
هذه قضايا أساسية في تاريخنا الحديث أثبتناها مرارا كثيرة بأساليب مختلفة
يغنينا تفصيلها السابق عن الإطالة بها في هذا التذكير الإجمالي الوجيز الذي نرمي
فيه إلى بيان موقف العالم الإسلامي أمام أوربة في طورها الجديد، بعد الحرب
الكبرى التي كان الغبن الأكبر فيها على الشعوب الإسلامية العربية التي ساعدت
أعداءها من دول أوربة، والربح للشعوب الأعجمية التي عادتها وحاربتها وهم