مباحث الربا والأحكام المالية
(كنا شرعنا في كتاب بحث فياض في تحرير حقيقة الربا وأحكامه وما
يتعلق به من الأحكام المالية في العقود والشركات والمصارف وغيرها؛ لكثرة ما
يستفتينا الناس فيها من الأقطار المختلفة، بدأناه برسالة الاستفتاء في حقيقة الربا
التي نشرتها حكومة حيدر آباد الآصفية الهندية ووزعتها مطبوعة على أشهر علماء
الأقطار الإسلامية، وسألتهم عن رأيهم في إفتاء مفتيها في المسائل الأربع التي
حصرت الموضوع فيها، وقفينا عليها بتخطئة ما اعتمده محرر هذه الرسالة في
حقيقة الربا؛ بناء على مذهب الحنفية وبنى عليه فتواه، وبينا آراء محققي
المفسرين من علماء مذاهب السنة في القرآن والشيعة وأقوال المحدثين والفقهاء،
وجعلنا نتيجة هذه النقول بيان حقيقة الربا القطعي المنصوص فيه، وهو ربا النسيئة،
وعقدنا بعده فصلا مهما في إلحاق الفقهاء ذرائع الربا وشبهاته بالقطعي والظني
المنصوص، وإبطال دليلهم على هذا الإلحاق. وانتهى بنا البحث إلى الوعد بالكلام
على الحيل في الربا وغيره في أول المجلد 31 (ص37) .
وههنا وقفنا، وأرجأنا وسوفنا في إنجاز وعدنا، إذ كنا عزمنا على تحرير
الموضوع بالاستقصاء لأدلته وفروعه بنصوص المختلفين فيه، وهو ما حال دونه
كثرة أعمالنا إلى الآن، ورأينا أنها لا تزال تزداد، فرجحنا أن نكتفي بخلاصة آراء
فقهاء المذاهب ورأينا فيها وهو ما يرى القارئ في الفصل التالي.
***
فصل في الحيل في الربا وغيره
الحيلة اسم أو هيئة من حال الشيء يحول إذا تغير حاله أو لونه أو صفته أو
وضعه أو مكانه، وأصلها حولة كحكمة، فقلبت الواو ياء؛ لكسر ما قبلها. قال في
الأساس: حال الرجل يحول حولا إذا احتال ومنه (لا حول ولا قوة إلا بالله)
وحال الشيء واستحال تغير، وحال لونه، وحال عن مكانه تحول - إلى أن قال -:
وحاوله طلبه بحيلة اه. وفي المصباح المنير: والحيلة الحذق في تدبير الأمور،
وهو تقليب الفكر حتى يهتدي إلى المقصود، وأصله الواو، واحتال طلب الحيلة
اه.
وقال الراغب في مفردات القرآن: والحيلة والحويلة: ما يتوصل به إلى
حالة ما في خفية، وأكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث، وقد تستعمل فيما فيه
حكمة؛ ولهذا قيل في وصف الله عز وجل: ﴿وهو شديد المحال﴾ (الرعد:
13) - بكسر الميم - أي الوصول في خفية من الناس إلى ما فيه حكمة، وعلى هذا
النحو وصف بالمكر والكيد لا على الوجه المذموم، تعالى الله عن القبيح اه.
وذكر قبل ذلك أن من الأمثال (لو كان ذا حيلة لتحول) .
وأقول: إنه قال في المكر والكيد كما قال في الحيلة والمحال أنه يكثر
استعماله فيما فيه خبث أو قبح، وسببه كما بيناه في التفسير أن أكثر ما يخفي الناس
هو ما يعد عندهم قبيحا أو ضارا ولو بأعدائهم وخصومهم، وما لو ظهر لحبط وفسد
عليهم وعجزوا عن إتمامه كما يقع في الحرب وشئون السياسة. ولم يرد لفظ الحيلة
في القرآن إلا فيما هو واجب منها، وهو قوله بعد وعيد الذين يتركون الهجرة من
دار الكفر والظلم إلى الإسلام والعدل: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء
والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} (النساء: 98-99) الآية.
وأول من أدخل الحيل في الشرع أبو حنيفة وأصحابه، وأول من ألف فيها
القاضي أبو يوسف ألف كتابا مستقلا سماه (كتاب الحيل) وتبعه فقهاء مذهبهم فهم
يذكرون في كتب فقههم أبوابا للحيل التي يصفونها بالشرعية، ووافقهم الشافعية في
أصل جواز الحيل، وقال بحظرها فقهاء المالكية والحنابلة.
وفي الجامع الصحيح للبخاري كتاب خاص سماه (كتاب الحيل) فتح فيه
أبوابا أورد فيها ما صح على شرطه متعلقا بالحيل والدلالة على كراهة الشرع لها.
أولها (باب في ترك الحيل، وأن لكل امرئ ما نوى في الأيمان وغيرها) وأورد
فيه حديث (إنما الأعمال بالنية) الذي افتتح به صحيحه برواية (بالنيات) أشار