…
ومن العجيب أن
هذا الكاتب الإسلامي وافقها على هذا المروق، وعلى تعليله كما أشرنا إليه في
كلامنا على محاولتها ترجمة القرآن بالتركية وكتابة الترجمة بالحروف اللاتينية،
ولكننا لم نصرح باسمه فيه، وكنت فهمت من مقالات هذا الكتاب، أنه نهض من
هذه السقطة وتاب، فإذا هو مصر عليها كما علم من رده على شيخ الإسلام السابق
صبري أفندي في صحيفة الفتح الغراء.
وأما شذوذه في هذا الكتاب فلا يصل إلى هذا الحد من الشطط الصريح، بل
هو مزمل بنظريات الفلسفة، ومزين بالمدائح المحسنة، ومسجى بالدفاع عن الملة،
وأول ما علق بذهني منه إذ قرأته في جريدة الجهاد هو أنه فسر الدين والوحي
والإسلام - وشأنه مع المنتهين من العلماء - تفسيرا فلسفيا مخالفا لما جاء به محمد
رسول الله وخاتم النبيين، وفهمه منه وتلقاه عنه أصحابه والتابعون لهم وسائر أئمة
المسلمين، ولكنه غير بالغ من الصراحة ما يفهم مراده منه كل مسلم.
ومن تناقضه وتعارضه أنه يوافقنا على ما قررناه مرارا كثيرة في توحيد
الإسلام لشعوب البشر وقبائلهم في جميع الأمور الدينية لتحقيق الأخوة الإنسانية
العامة ثم تراه ينقض هذا بتأييده للجمهورية التركية في أفظع شقاق حدث في الإسلام
بحجة عصبية اللغة وضرورة اختلاف التشريع، دع مخالفته في أساس الدين
وبعض أصوله وشذوذه في فهمها.
رأيه في أساس الدين وكون الإسلام هو الطبيعة:
إن أساس الدين الذي عرفه في المقدمة الأولى من الفصل الأول من هذا
البحث هو أن لهذا الوجود الظاهر روحا عاما وأرواحا خاصة بكل نوع من
الموجودات، وهذه الأرواح كلها تستمد حياتها ونظامها من الروح العام، ومنها
الإنسان فهو يستمد حياته الجثمانية من ذلك الروح كما تستمد سائر أنواع الحيوان
وكذا النبات، ولكن له روحا عقليا آخر متصلا بالحياة الروحانية العامة، وغاية الدين
القصوى هي اتصال روح الإنسان العقلي الخاص بروح الوجود العام اتصالا ذاتيا
مباشرا واندماجه فيه. وقد أخذ هذا الأسس من فلسفة وحدة الوجود الهندية التي فتن
بها بعض صوفية المسلمين معطلة التشريع، الذي قال فيهم الإمام الغزالي: إنهم قد
طووا بساط الشريعة طيا فيا ليتهم لم يتصوفوا.
ثم إنه جعل الناس ثلاثة أقسام في الثقافة العقلية: علماء منتهون، وأواسط
متعلمون، وعامة مقلدون، وقرر أن كل طبقة من هذه الطبقات الثلاث تتطلب من
الدين ما يناسبها من الغذاء الروحاني، وأن الدين الذي يوفي كلا منها حاجاتها كلها
هو الدين العام الخالد، فإن لم تجده لجأت الإنسانية إلى شيء جديد. وقفى على
هذا ببيان ما تطلبه الطبقة العليا من الدين بقوله:
(لا يتطلب العلماء المنتهون أن يأخذوا عن الدين آدابا وأخلاقا، ولا أن
يتعلموا منه أسلوبا في الحياة ولا دستورا في المعاملات يتفق وأصول العدل والإخاء
والمساواة، فإنهم وضعة المذاهب وبناة الأساليب، وصاغة الأصول، وإنما هم
يتطلبون من الدين أن يصلهم بروح الوجود إيصالا مباشرا يستمدون منه حياة
لأرواحهم، ونورا لعقولهم، وسكنا لنفوسهم، ومطمأنا لوجدانهم)
ثم وصف هؤلاء العلماء وصفا خياليا شعريا في اشتغالهم بهذا الوجود وقواه
وآياته وعلله الأولية وحيرتهم في أسرار ذلك وخفاياه (وقال) : (فالتدين لديهم
صعود بالروح إلى قيومها واتصال به في عالمها) وصرح بأن هؤلاء العلماء
الأعلام يرون أن لا حاجة بهم إلى الأديان المعروفة، فهم يعتمدون في تدينهم على
ما غرس في الفطرة الإنسانية من الدين الحق، وقد حمل بعضهم اليأس من الأديان
الموجودة على وضع دين دعوه الدين الطبيعي) .
هذه مقدمات خلاصتها أن هؤلاء الذين سماهم العلماء الأعلام المنتهين قد
عرفوا كل الأديان الموجودة ولم يجدوا فيها حاجتهم إلى الدين الموصل لهم إلى ما
يتطلبونه من وصال روح الوجود مباشرة، وأن كل ما في هذه الأديان من أخلاق