الشريفة المحمدية ما بينه لنا هذا الإمام الجليل في رسالة التوحيد، وفي دروسه
ومجالسه العلمية كما شرحناه في الجزء الأول من تاريخه.
* * *
بحث في أقوال من أنكر
حديث السحر ومن أثبته
هذا وإن علماء المعقول وجهابذة الأصول قد أنكروا وقوع السحر عليه صلى
الله عليه وسلم من قبل الأستاذ الإمام، وأنكره من علماء التفسير والفقه مثل أبي بكر
الجصاص من أئمة الحنفية، وقد قال العلامة ابن القيم بعد الجزم بصحة سند
الحديث ما نصه: وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم وأنكروه أشد
الإنكار وقابلوه بالتكذيب وصنف بعضهم فيه مصنفا مفردا حمل فيه على هشام (أي
راويه عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة) وكان غاية ما أحسن القول فيه أن قال:
غلط واشتبه عليه الأمر، ولم يكن من هذا شيء - قال: لأن النبي صلى الله عليه
وسلم لا يجوز أن يسحر
....
إلخ.
أقول: أما علماء الروايات فليسوا ممن يطلب منهم معرفة هذه الحقائق في نقد
المتون، وأما علماء المناقشات اللفظية التي غلبت على الأزهر في القرون الأخيرة
فقد أجاب بعضهم عن استدلال المنكرين بقوله تعالى: {وقال الظالمون إن تتبعون
إلا رجلا مسحورا} (الفرقان: 8) وتفنيده تعالى لقولهم بالآية التي بعدها بما
خلاصته أن المراد بالمسحور فيها ذا السحر (بفتح السين) أي الرئة، والمعنى ما
تتبعون إلا بشرا له رئة قال ابن القيم: (وهذا الجواب غير مرضي، وهو في
غاية البعد، فإن الكفار لم يكونوا يعبرون عن البشر بمسحور، ولا يعرف هذا في
لغة من اللغات) وأطال في بيان هذا، واستدل عليه بقول فرعون لموسى: {إني
لأظنك يا موسى مسحورا} (الإسراء: 101) قال: أفتراه ما علم أن له سحرا
وأنه بشر؟ (أي إلا في تلك الساعة) ثم كيف يقول له موسى: {وإني لأظنك يا
فرعون مثبورا} (الإسراء: 102) ولو أراد بالمسحور أنه بشر لصدقه موسى،
وقال: نعم أنا بشر، ولكن الله أرسلني إليك كما قالت الرسل لأقوامهم.
(ثم قال) : وأجابت طائفة منهم ابن جرير وغيره بأن المسحور هنا هو
معلم السحر الذي قد علمه إياه غيره، فالمسحور عنده بمعنى ساحر أي عالم بالسحر
. وهذا جيد إن ساعدت عليه اللغة، وهو أن من علم السحر يقال له مسحور، ولا
يكاد يعرف هذا في الاستعمال ولا في اللغة، وإنما المسحور من سحره غيره
كالمطبوب والمضروب والمقتول.
(ثم قال) : فالصواب هو الجواب الثالث، وهو جواب صاحب الكشاف
وغيره أن المسحور على بابه وهو من سحر حتى فقالوا مسحور مثل مجنون، زائل
العقل لا يعقل ما يقول، فإن المسحور الذي لا يتبع هو الذي فسد عقله بحيث لا
يدري ما يقول إلخ.
وأقول: إنه لولا إرادة قبول رواية السحر، والجمع بينها وبين براءة النبي
صلى الله عليه وسلم مما لا يليق به من كونه مسحورا بشهادة الله وشهادة العقل وعلم
النفس، لما تكلف الزمخشري علامة اللغة أن يحمل معنى السحر هنا على غاية
درجاته التي قلما تقع وهي الجنون، ولما قبل ذلك ابن القيم علامة المنقول
والمعقول - فإن رمي الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم بلقب مجنون، هو غير
نبزه بلقب مسحور، وقد ذكر في مواضع من القرآن، فدل ذلك على أنهم يعنون
بالمسحور ما دون المجنون من المخبولين، بل نقل البخاري عن سفيان بن عيينة
أحد رواة هذا الحديث أنه قال في وصف عائشة لذلك السحر بما سنذكره: وهذا أشد
ما يكون من السحر.
ونرى أكثر العلماء قد استقر جوابهم على أن السحر الذي وقع هو عبارة عن
التأثير في جسمه صلى الله عليه وسلم دون نفسه الشريفة الزكية العلوية، فهو
كجرحه يوم أحد، وقالوا كلهم كغيرهم: إن الأنبياء تجوز عليهم جميع الأمراض
البدنية، وقد قتل بعضهم. وهذا صحيح ولكن الروايات كلها مصرحة بأن تأثير
السحر المزعوم كان في نفسه وإدراكه وتصوره صلوات الله وسلامه عليه لا في
جسده - من وجع رأس أو بطن أو يد أو رجل - بل فيها أنه كان يخيل إليه أن يفعل