جمادى الأولى - 1352ه
سبتمبر - 1933م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
فتاوى المنار
(س13-15) من صاحب الإمضاء في برلين (أوربة) بعد مقدمة طويلة.
(1) لم فضل الله تعالى اليهود وهم أرذل الأقوام وأشنعهم ومفسدون في
الأرض، وكل الفساد الأخلاقي والاقتصادي والسياسي ناشئ منهم فقط كما قال تعالى:
﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ (البقرة: 12) وإنهم أشد الناس
عداوة للناس ولا سيما للمسلمين. فإذن ما معنى قوله تعالى: {وأني فضلتكم
على العالمين} (البقرة: 47)
(2) لم ورد في كلام الله القديم قصص بعض الرسل كنوح وإبراهيم
وموسى وعيسى عليهم السلام مرارا كثيرة مثلا قصة عيسى عليه السلام أكثر من
سبع عشرة مرة وقصة موسى عليه السلام أكثر من سبع وعشرين مرة إلخ.
(3) لماذا جمع أبو بكر وعثمان - أي الهيئة المخصوصة لجمع القرآن زمن
خلافتهما - على غير ترتيب نزوله؟ فإن أمكن اليوم جمعه على ترتيب نزوله؟ فإن
أمكن أيصح؟ تلميذكم الداعي المخلص:
... ... ... ... ... ... ... عالم جان إدريس
... ... ... ... ... ... ... ... في برلين
(أجوبة المنار)
13- معنى تفضيل بني إسرائيل على العالمين على مفاسدهم:
إن تفضيل بعض الشعوب على بعض من الأمور النسبية التي تختلف
باختلاف الأجيال والزمان والمكان؛ وباختلاف مراد المفضل من التفضيل، وإذا
أطلق التفضيل في كتاب الله يراد به الديني منه، وإلا بينه كقوله تعالى: {والله
فضل بعضكم على بعض في الرزق} (النحل: 71) وإنني أبين جواب السائل
بشيء من التفصيل.
يقول الله تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على
العالمين} (آل عمران: 33) ويقول: {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في
ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون} (الحديد: 26) فعلم منه
أن التفضيل خاص بالمهتدين بكتب الله تعالى للأنبياء الذين بعثوا فيهم من ذرية
إبراهيم بعد نوح عليهما السلام.
وقد كان الأنبياء في بني إسرائيل أكثر منهم في غيرهم من الشعوب
والمهتدون منهم أكثر من غيرهم لأولئك الأنبياء، وقال الله تعالى: {ولقد آتينا
داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين} (النمل: 15) فهذان نبيان من أعظم أنبيائهم يحمدان الله تعالى أن فضلهما على كثير
من عباده المؤمنين لا على جميعهم.
وإن من قواعد الشرع الإلهي العام أن الغرم على نسبة الغنم فمن كان ثوابه
على الإيمان والطاعة مضاعفا كان عقابه على الكفر والمعصية مضاعفا وقد أنذر
الله بني إسرائيل على لسان موسى ومن بعده من أنبيائهم أشد النذر إذا هم نقضوا
عهده بالكفر والمعاصي كما تراه في كتبهم المقدسة من العهدين القديم والجديد، وفي
القرآن العظيم المهيمن على جميع تلك الكتب، وفيه وصف لشدة كفرهم وبغيهم
وقتلهم الأنبياء بغير حق، وما عاقبهم به من اللعن وسلب الملك وضرب الذلة عليهم
بفقد الملك، وتسليطه عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، وأنهم لن
يعتزوا بأنفسهم، بل بسيادة غيرهم، كما قال تعالى: {إلا بحبل من الله وحبل من
الناس} (آل عمران: 112) فحبل الله شرعه الإسلامي الذي أمنهم على أنفسهم
وأموالهم ودينهم، فرفع ظلم الرومان وغيرهم عنهم، وحبل الناس خضوعهم للدول
التي تحميهم، وكل هذا معروف في تاريخ دول الإسلام، وواقع مشاهد في بعض
بلاد أوربة الآن، وإن اعتزوا في بعض آخر وأحدثوا ما نعلم من انقلاب.
وأما ما يؤيد تفضيلهم على غيرهم من ناحية الخصائص القومية والوراثة
والتربية فيؤخذ من التاريخ الديني والمدني، وهو ما أجمله لنا القرآن على سنته في
بيان سنن الاجتماع بالإيجاز، إلى ما فصلته أسفار التوراة من معاندة موسى عليه
السلام في صحاري سيناء بعد إنقاذ الله تعالى إياهم على يديه من استعباد فرعون