(2) لا يبعد أن يقول بعض أدعياء العلم الجاهلين الجامدين إذا اطلع على هذا أن صاحب المنار ينكر وجود الله تعالى، ويقول كما يقول الماديون إن مادة العالم صدرت عن قوة مجهولة هي التي نسميها الخالق، فيجعل برهاننا الذي أقمنا به الحجة على وجود الخالق وأقنعناهم به عين إنكار وجوده عز وجل، كما فعل في مسألة الملائكة والقوى الطبيعية، وهكذا يقلب الجامدون المحرفون الحقائق بالجهل وسوء النية.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
ذكرى صلاح الدين ومعركة حطين
[1]
] وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين [[*]
سلام عليكم أيها المتذكرون المذكرون بتاريخ هذا الرجل العظيم، المنقذ
لأوطانكم وأمتكم من عدوان المعتدين، المجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق
والعدل، بصد سيطرة الغرب عن الشرق.
لقد أحسنتم صنعا بإحياء هذه الذكرى، واختياركم لها تاريخ معركة حطين
الكبرى، التي كانت هي الفاصلة؛ لأن معارك النصر بعدها كانت متواترة متعاقبة،
إلى أن تم طرد تلك الزحوف الباغية، عن هذه البلاد المقدسة، وعن غيرها من
البلاد العربية، حتى جزيرة العرب التي شرفها الله تعالى على جميع الأرض ببيته
الحرام، ومرقد رسوله خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والسلام، فقد كان بعض
زعماء الإفرنج يأتمرون بفتح الحرمين الشريفين، ولا غرو فإن ثالث الحرمين
أقرب الأبواب إليهما، وقد عاد الأمر كما بدأ، فهل نجد على نار الأحداث المشاهدة
هدى؟
أيها الإخوان المجتمعون لهذه الذكرى المقدسة، في هذه الأرض المقدسة إنكم قد
رفعتم عن بلادكم وأمتكم كلها عارا كبيرا وتقصيرا معيبا بالسكون والسكوت عنها
إلى الآن، وهم يرون شعوب الغرب يتنافسون في إحياء ذكرى معارك الحروب
التي هي دونها من كل وجه، وأما الرجال العظام فإنهم ينصبون لهم التماثيل، وإن
كانوا عندهم دون صلاح الدين عندنا، ويؤلفون في مناقبهم الكتب التي ترفع ذكرهم،
وتعظم قدرهم، وترشد الأمة إلى الاقتداء بهم.
نصب التماثيل ممنوع في الإسلام لأنه من شعائر الوثنية، وأما تصنيف الكتب
وإلقاء الخطب في عبر التاريخ فكل منهما مشروع؛ لأنه من الحكمة والموعظة
الحسنة، وقد دون بعض علمائنا تاريخ صلاح الدين، ونوهوا بجهاده ومناقبه في
كتب أخرى؛ ولكن جمهور الأمة يجهلها ويحتاج إلى التذكير بها، بالأسلوب الذي
يبعث العبرة، ويحمل النفوس على حسن الأسوة.
فضائل صلاح الدين كثيرة: من قوة إيمان، وعلو أخلاق، وصلاح أعمال
وعدل أحكام؛ ولكن منته الكبرى على أمم الشرق كافة، وعلى العالم الإسلامي
والعرب خاصة، إنما هي كفايته إياهم طغيان الاستعمار الغربي، والطوفان
الأوروبي، الذي فاضت سيوله باسم التعصب الصليبي، في زمن كانت فيه جميع
الشعوب الأوربية في ظلمات حالكة من الهمجية والقسوة والخرافات والجهل المطلق،
والبعد الشاسع عن هداية الدين المسيحي الصحيح، الذي ارتكبوا جميع الشرور
والفظائع باسمه، ووالله إنهم قد كانوا وما زالوا أبعد خلق الله عن دين المسيح
وفضائل المسيح ووصايا المسيح عليه الصلاة والسلام، ولولا صلاح الدين لأغرق
طوفانهم الشرق كله منذ القرن السادس للهجرة، فأهلكوا الحرث والنسل، وطمسوا
نور الحق والعدل وأفسدوا جميع الأرض.
لم يكن صلاح الدين رحمة من الله تعالى بالشرق وحده، بل كان رحمة
بالغرب وبملوكه وقواده الوحشيين الهمجيين وشعوبه المظلومين أيضا، فقد أراهم
بجهاده فيهم، وبنصر الله له عليهم ما طبعه عليه الإسلام من الحق والعدل،
والرحمة والفضل، وعلو الأخلاق والشيم، فإن كانوا قد خسروا بسيفه نتيجة
الحرب كلها، فقد ربحوا بمعرفة فضائله وفضائل أمته ما كان خيرا لهم ولشعوبهم
منها.
رأوا من صلاح الدين ومن أمة صلاح الدين، ومن جيوش صلاح الدين،
وعلموا من أمر رعايا صلاح الدين من اليهود والمسيحيين، خلاف ما كانوا يعلمون