تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…

وتكلمت كلاما شديدا في حقوق الإسلام ووجوب الهجرة

من مصر إذا فقدت حرية الدين، وأجابني الوزير بصراحة غريبة في استبداد

الإنكليز لا حاجة إلى شرحها.

ثم قال: إن ما تكتبه أنت بقلمك تتحرى فيه الأدب واتقاء ما يمنعه القانون

ويعاقب عليه، ويمكننا أن ندافع عنك بأن مجلتك دينية تقوم بوظيفتها، وليس كذلك

تلميذك الدكتور محمد توفيق صدقي فهو شديد اللهجة ويكتب ما يعد طعنا صريحا في

الديانة المسيحية لا بيانا لعقائد الإسلام ولا مناظرة للمبشرين، فأرى أن تساعدنا

عليه عند الكلام معه وإنذاره.

ثم طلب الدكتور فحضر فكلمه الوزير بأن ما يكتبه في الديانة المسيحية ليس

من شأنه، وقد يفضي إلى عقابه وعزله من وظيفته في الحكومة، وهو يمضيه

باسمه مع ذكر وظيفته، والذي ينبغي له أن يكتبه في المنار وغيره هو الوصايا

الصحية والمقالات العلمية والطبية، فإن كان لا بد له من كتابة مثل هذه الردود

فيجب عليه اجتناب ما يعد طعنا لا بحثا وأن لا يمضيه باسمه الصريح. فوعد

الدكتور بذلك.

هذا ملخص ما وقع في هذه الحادثة، وقد كتبت عقبها في آخر المجلد السادس

عشر من المنار ما نصه:

حرية المسلمين الدينية بمصر

لدعاة النصرانية (المبشرين) عدة مدارس ومستشفيات وصحف في مصر لا

غرض لهم منها إلا تنصير المسلمين، وقد ساعدتهم الحكومة المصرية على إنشاء

مدارسهم ومستشفياتهم باسم نشر العلم وعمل الخير، ثم إنهم ينشرون في كل سنة

عدة كتب ورسائل في الطعن في القرآن والنبي عليه الصلاة والسلام، وتنفير

المسلمين من الإسلام. دع النشرات والأوراق الصغيرة التي ينثرونها في

المستشفيات، والخطب التي يلقونها فيها، وفي سائر معاهد التبشير، وقد عز

عليهم مع هذا أن يكون للمسلمين في هذا القطر الإسلامي كله صحيفة إسلامية واحدة

ترد عليهم وتدافع عن الإسلام، فسعوا بواسطة بعض قناصلهم إلى لورد كتشنر

ورغبوا إليه أن يأمر الحكومة المصرية بإلغاء المنار وإبطال صدورها، وبمحاكمة

صاحبها هو والدكتور صدقي الذي يساعده في الرد عليهم! أليس من عجائب الغلو

في تعصب القوم أن يسعى إلى هذا أو يتحدث به أو يفكر فيه بعض أبناء الأمتين

الأمريكية والإنكليزية، أعرق أمم الإفرنج في احترام الحرية؟

وقد سئلنا عما ينشر في المنار من الرد على النصارى فأجبنا: أننا أقدمنا على

هذا العمل مدافعين لا مهاجمين، وأن هؤلاء المبشرين قد كتبوا في الطعن في ديننا

أضعاف ما كتبنا، وأن هذا الرد واجب علينا شرعا، بل هو من فرائض الكفاية إذا

لم يقم به بعض المسلمين أثم الجميع، وأنه يجب على المسلمين الهجرة من البلاد

التي ليس لهم حرية فيها في إظهار دينهم والدفاع عنه، وأننا مع هذا نفضل أن

يسكت هؤلاء المعتدون عنا ونسكت عنهم.

على أن مجالهم في الرد علينا أوسع؛ لأننا نؤمن بنبيهم وكتابهم الذي أنزله

الله عليه، ونعد الطعن فيه كفرا كالطعن في نبينا بلا فرق، فلا نستطيع أن نقول

كما يقولون، ولا أن نخوض كما يخوضون.

ألا إنه لم يكن يظن أحد من الناس أن الحرية التي كانت مصر تفاخر فيها

أوربة من كل وجه تتضاءل بعد لورد كرومر حتى يطمع الطامعون فيها بمثل ما

ذكرنا، وهي التي رفعت اسم إنكلترة حتى صار جميع مسلمي الأرض يفضلونها

على جميع دول أوربة، ضعفت في مصر الحرية السياسية فخفف على الناس

المصاب فيها راحتهم من أولئك الأحداث السفهاء، فإذا اضطهدت الحرية الدينية

فأي شيء يخفف على المسلمين مصابها ويعزيهم عنها؟ على أن الذي ظهر لنا أن

أولي الشأن قد أقنعوا أولئك السعاة المحالين) بل لورد كتشنر) بأنهم هم المعتدون،

وأنه يصدق على المنار وعليهم (واحدة بواحدة بل بمئات، والبادئ أظلم) اه.

هذا ما فعله المبشرون في مصر من السعي لتعطيل المنار، وقد فعلوا مثله

في السودان فكانت حكومته أطوع لهم؛ لأنها إنكليزية خالصة فصادرت كل ما

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٠٦