تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عمران، ومن هذه الأمة غير فاطمة بنت محمد عليهما السلام، وصلى الله على

محمد وأهل بيته وعلى رسل الله أجمعين.

التسري وملك اليمين والمخادنة

45- تمهيد في الرق وإصلاح الإسلام فيه

هذه المسألة مما يجب علينا بيان الإصلاح الإسلامي والهدي المحمدي فيها بما

هو مصلحة للنساء وعناية بالجنس اللطيف، وهي تعد من فروع تعدد الزوجات

في أحد الاعتبارين، ومن فروع الاسترقاق في الاعتبار الآخر، وكل منهما كان

شائعا في الشعوب والقبائل الهمجية وفي أمم الحضارة والملل السماوية وهما في

الإصلاح الإسلامي من ضرورات الاجتماع البشري التي تقدر بقدرها، أما الرق

فقد مهد الإسلام السبل للقضاء عليه من غير تكليف الأمم التي اعتادته وصار منوطا

بمعاشها ومصالحها أن تبطله مرة واحدة، فتختل مصالحها فتعصي آمرها، وما كان

الإسلام دولة عسكرية تقهر الناس على شرعها بالقوة؛ وإنما أخذ الناس من طرق

الإقناع والوازع النفسي، والله يقول لنبيه في كتابه: ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ (الشورى: 48) ﴿فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر﴾ (الغاشية:

21-22

) ﴿وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ (ق: 45) .

وهذا التمهيد له طريقان (أحدهما) سد ذريعة الاسترقاق بحصره في سبب

واحد، وهو أن يرى إمام المسلمين المصلحة العامة تقضي باسترقاق الأسرى

والسبايا في قتال الكفار الشرعي كحماية دعوة الإسلام وداره (وطن المسلمين) من

الاعتداء عليهما، وترجيح ذلك على مصلحة المن عليهم بالعتق لإظهار فضل

الإسلام وسماحته وعلى مصلحة فداء أنفسهم أو فداء أسرى المسلمين وسباياهم عند

الأعداء بهم عملا بقوله تعالى: {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما

فداء حتى تضع الحرب أوزارها} (محمد: 4) .

وإنما تكون مصلحة الاسترقاق أرجح من هاتين المصلحتين في حالات قليلة

نادرة لا تدوم، كأن يكون المحاربون للمسلمين قوما قليلي العدد (كبعض قبائل البدو)

يقتل رجالهم كلهم أو جلهم، فإذا ترك النساء والأطفال لأنفسهم لا يكون لهم قدرة

على الاستقلال في حياتهم فيكون الخير لهم أن يكفلهم الغالبون ويقوموا بشؤونهم

المعاشية [6] ، ثم تجري عليهم أحكام الطريقة الثانية في تحريرهم.

(الطريقة الثانية) : ما شرعه لتحرير الرقيق من الترغيب في الأجر وجعله

كفارة لكثير من الذنوب، وتوسيع أبواب ما يعتق به العبد، حتى قال مصلح

الإنسانية الرءوف الرحيم: (من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه) رواه

أحمد ومسلم وأبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقد بينا هذا بالتفصيل في

المنار ولا محل له هنا؛ فإن موضوع رسالتنا مصلحة الجنس اللطيف في الشرع

الإسلامي والإصلاح المحمدي ومنها مسألة التسري.

قلنا: إن مسألة التسري من فروع مسألة تعدد الزوجات، وقد بينا من قبل أن

أكثر شعوب البشر قد جرت على هذا التعدد بصور مختلفة، وأن سببه القديم

الأعظم فيها هو الرق، ثم اختلفت صفاته وتعددت أسماؤه، فالمشهور الآن أن أهل

أوربة هم الذين تواطئوا بدعوة الدولة الإنكليزية على إبطال الرق من العالم، كما

أنهم هم الذين يتشددون في تحريم تعدد الزوجات؛ ولكنا بينا أيضا أن أهل أوربة

هم أشد شعوب الحضارة الملية استباحة للسفاح واتخاذ الأخدان، وأنهم هم الذين

أفسدوا على أهل البلاد الشرقية التي تقلدهم في حضارتهم عفتهم وصيانتهم، وتكلفوا

حماية البغايا والقوادين والقوادات في بلادهم إذا كانوا من رعاياهم، وناهيكم بخزي

الرقيق الأبيض.

46- مقدمة ثانية

في التسري والمخادنة عند الإفرنج والرقيق الأبيض

إن نخاسة الرقيق الأبيض التي تصدر أوربة بضاعتها إلى كل قطر توجد فيه

ثروة تبذل المال في شهوة السفاح - لأشد خزيا للإنسانية وإفسادا لها وامتهانا لشرفها

وجناية على النساء من نخاسة الرقيق الأسود التي يتجر بها من يختطفون البنات

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٢٩