ذو الحجة - 1351ه
أبريل - 1933م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
شبهات حول الرسول والقرآن
سؤال
(ما الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بعد الأربعين وما الذي فعله)
ولم يكن لشيء من ذلك ما يدل عليه قبل هذه السن [1] من قول ولا فعل ولا علم ولا
عمل.
الجواب
جاء بدين معقول موافق للفطرة عام دائم، وشرع عادل مساو بين الناس،
وجمع شمل أمة متفرقة متعادية لم يعرف تاريخها لها وحدة، وكون أمة متحدة مدنية
مؤلفة من جميع الشعوب والقبائل، وأسس دولة عزيزة قوية عادلة، وأصلح جميع
ما كان قد أفسده البشر من الأديان والآداب والحضارات، بالظلم والعصبيات
والخرافات [2] .
(الدعوة المحمدية موضوعها وكتابها)
(أ) ادعى أن الله تعالى بعثه في قومه الأميين الجاهلين المشركين المفسدين
في الأرض؛ ليزكيهم ويربيهم في الكبر ويعلمهم الكتاب والحكمة، فيبلغوا دعوته
للأمم فيكونوا من الأئمة المصلحين، ومن خلفاء الأرض الوارثين، وكذلك كان
{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف
الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا
يعبدونني لا يشركون بي شيئا} (النور: 55) .
(ب) ادعى أن جميع شعوب البشر على اختلاف مللها ونحلها ضالون
مضلون، وأن أتباع النبيين منهم قد فسقوا عن هدايتهم، أشركوا بعبادة ربهم،
وابتدعوا في الدين ما لم يشرعه الله لهم، وأنهم أضاعوا بعض كتبهم وحرفوا
بعضها، وأنه جاء من عند الله تعالى لهدايتهم كلهم أجمعين، وأن دينه سيظهر على
أديانهم بالحجة والبرهان، والعقل والوجدان، والسيادة والسلطان، وكذلك كان،
{هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره
المشركون} (التوبة: 33) .
(ج) جاء بكتاب ادعى أنه كلام الله تعالى أوحاه إليه، وأنه ليس له منه إلا
تبليغه كما تلقاه، وقد ظهر أن هذا الكتاب لم يكن بينه وبين كلام محمد قبله ولا بعده
شبه في نظمه ولا أسلوبه ولا معانيه ولا بلاغته ولا تأثيره، ولا أخباره وعقائده،
ولا تشريعه وأحكامه، ولا معلوماته الكونية والاجتماعية ولا حكمه وآدابه.
(د) قد علم من هذا الكتاب ما يضاد كونه من علم محمد وهو أنه هو الذي
يربيه ويعلمه كما قال: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم
وكان فضل الله عليك عظيما} (النساء: 113) ويصحح له خطأ اجتهاده في
التبليغ أو التنفيذ تارة باللين واللطف، كقوله: {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى
يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} (التوبة: 43) وتارة بالموعظة والشدة
كقوله تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا لأذقناك
ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا} (الإسراء: 74-75)
وقوله: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض
الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما
أخذتم عذاب عظيم} (الأنفال: 67-68) وقوله: {وإذ تقول للذي أنعم الله
عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه
وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} (الأحزاب: 37) قالت عائشة: لو كان
للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكتم شيئا من القرآن لكتم هذه الآية.
وقوله: {عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو
يذكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى *
وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى * كلا} (عبس: 1-11)
وقوله: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا
تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} (الكهف: 28) الآية، وقوله تعالى في
معناها: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من