عنه في هذه المسألة هو أفضل وأكمل ما يطلب منه، وهو أنه بلغ الإمام أنه لا
يعتدي، وإنما يدافع إذا اعتدي عليه ويقبل التحكيم في الخلاف، والمرجو أن يقدر
الإمام هذا الخطاب قدره، وإنا لننتظر ما يجيئنا الغد من الخبر اليقين، فنعطيه حقه
من النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وليتذكر الفريقان ما رواه أبو
داود والحاكم من قوله صلى الله عليه وسلم (ويل للعرب من شر قد اقترب، أفلح
من كف يده) (والسلام على من اتبع الهدى)
هذا ما نشر عقب انتشار الخبر في الصحف وذعر الأمة به ثم جاءنا كغيرنا
من الإمامين كليهما ما هو صريح في مبالغة الجرائد في التشاؤم وتبرؤهما من
إرادة الحرب، وتفاوضهما الودي للاتفاق، لكننا نرى أنه لا سبيل إليه إلا بالمعاهدة
واجتناب اعتداء الحدود في عسير ونجران بعد الاتفاق عليها كما هي.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
الملك فيصل الحسيني الهاشمي
في اليوم السابع عشر من شهر جمادى الأولى وهو السابع من أيلول (سبتمبر)
فجعت المملكة العراقية الطريفة العتيدة، والأمة العربية العريقة التليدة، بوفاة
الشريف فيصل ملك سورية الأول المؤسس بالأمس القريب، فملك العراق الأول
المؤسس إلى هذا اليوم العصيب، ابن المرحوم الشريف حسين ملك الحجاز الأول
المؤسس من قبله، ووالد الملك غازي الأول الوارث من بعده، فاهتزت لموته
البلاد العربية وزلزلت الأمة زلزالا شديدا، وكان لنعيه رنة عالية في الغرب رجع
صداها الشرق كله بما لم يتفق مثله لملك من كبار الملوك ولا لعظيم من عظماء
الفاتحين.
توفي فجأة في مدينة (برن) عاصمة (سويسرة) من أوربة بسكتة عرضت
لذلك القلب الخفاق بحب قومه ووطنه، فما سكن بالموت خفقانه، وسكت جيشانه،
إلا وخفقت أسلاك البروق الكاتبة والناطقة في الخافقين معلنة نعيه، مكبرة خطبه،
معددة مناقبة، مثنية على سياسته، وتلتها صحف العالم تتلو آيات التأبين والرثاء،
وتردد شهادات الحمد والثناء، ولا سيما الصحف العربية في مصر والشام والعراق
فسائر الآفاق، ولا تزال أنهارها تفيض بذلك إلى الآن.
وقد حنط حيث توفي وحمل في تابوت إلى إيطالية فاحتفلت به حكومتها
احتفالا عظيما، ثم حمل منها ومن كان معه من الآل والوزراء والبطانة والحاشية
على طرادة حربية إنكليزية إلى حيفا حيث كانت تنتظر الوفود من فلسطين وشرق
الأردن وسورية ولبنان، فكان يوما يذكر بيوم الحشر، في ازدحام الأقدام،
واشتراك الجميع في الكرب، وإكبار الخطب، ووجيف القلوب، وفيض الدموع،
وهنالك صلي على جنازته، ثم حمل على طيارة مع بعض من حضر من أهله
وخاصته وتبعها طيارات أخرى تقل سائر من كان معه وبعض المشيعين له إلى
بغداد، ولا تسل عما جرى هنالك من استقبال الشعب العراقي لمؤسس ملكه،
وواضع بناء مجده، وقد عاد إليه جسدا محنطا بغير روح، على مثل الطيارات
التي حملته من بينهم في هذا الصيف مرتين غادية رائحة وهو يكاد يكون روحا
بغير جسد، ولو لم يعرف الشعب من جهاده في سبيله إلا عمله في هذا الصيف
لكفى. فإن ما فعلته حكومته وشعبه، رجاله ونساؤه حضره وبدوه ليجل ويكبر عن
الوصف والإحاطة.
شهدت بمشهده بغداد ما لم يشهده بلد من البلاد، كانت كلها مأتما ممثلا لمناحة
شعب كامل، كأنه أم رءوم ثاكل، رنات نواح وعويل، في كل دار وكل سبيل،
وحداد عام شامل لشعب كبير، لعله لم يعرف له في الدنيا من نظير. لا في حشر
الخلائق له، ولا في الحزن عليه، ولا في تشييعه ودفنه، فإن قارئ وصفه في
الصحف ليكاد يستصغر ما رثى به بلغاء الشعراء المتقدمين أعظم عظماء
الممدوحين، وكنا نعده من الغلو الخيالي والتصوير الشعري.
فارقهم أول مرة بقصد الاستشفاء في سويسرة مما عرى ذلك الجسم الضاوي