وغيره.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
ويل للعرب من شر قد اقترب
(أفلح من كف يده) (حديث نبوي صحيح)
يالله العجب، ماذا أصاب العرب؟ ما لهم يخربون بيوتهم بأيديهم؛ ليمكنوا
أعداءهم من نواصيهم؟
هل عمرت بلادهم وكملت قواهم، ولم يبق شيء ينقصهم من عظمة الملك
وعزة السلطان، إلا فتح البلاد، واستعمار الأقطار، وعجزوا عن أعدائهم الطامعين،
فعاهدوهم ووادوهم ليفرغوا لقتال إخوانهم المؤمنين؟
كان شر مساوي العرب وأضرها التفرق والتعادي حتى هداهم الله إلى الإسلام
فطهرهم من هذا الخزي والجهل الذي جعلهم منبوذين في جزيرتهم كوحوشها
وضواريها، وامتن عليهم بقوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا
واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} (آل عمران: 103) وامتن على رسوله الذي شرفهم به بقوله: {هو الذي أيدك
بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين
قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} (الأنفال: 62-63) وإنما ألف
بينهم بهداية هذا الدين لا بالمعجزات وخوارق العادات، وكان من أثر هذا التأليف
واجتماع الكلمة أن فتحوا نصف العالم في مدة نصف قرن، وصاروا أئمة العالم في
الهدى والعدل والعلم.
ثم عادوا إلى التفرق والتعادي بترك هداية هذا الدين الذي أزالهما وأدال
منهما الولاء والأخوة، وبالتفرق فيه نفسه بما أحال الدواء داء، والقوة ضعفا،
فكانوا فرقا وشيعا ومذاهب دينية وسياسية، وهم يتلون كتاب الله ويدعون الإيمان به،
وينبذ كل فريق منهم الآخر بأنه هو المخالف للكتاب النابذ له وراء ظهره،
ويتلون فيه قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا
شيعا لست منهم في شيء} (الأنعام: 159) وقوله لهم: {ولا تكونوا كالذين
تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} (آل عمران:
105) وقوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون
بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} (النساء: 59) . فهل يدعي
المتفرقون المشاقون أنهم ممتثلون أمر الله تعالى في هذه الآيات المحكمات التي هي
بمقتضى دينهم ومذاهبهم فوق سائر كتبهم وأئمتهم وعلمائهم؟
كانوا إلى ما بعد حدوث التفرق السياسي والديني يسودون العالم من شاطئ
المحيط الغربي في أوربة إلى حدود الصين في الشرق الأقصى، ثم نفثت سموم
الشعوبية في العالم الإسلامي فأفسدت وحدة الخلافة، وحل محلها حكم ملوك
العصبيات المتغلبين من عرب وعجم، وحدث في أثناء ذلك أن سلط الله عليهم
هجوم التتار المفسدين من جهة الشرق، ثم هجوم الإفرنج المتعصبين من الغرب،
وما زال الجلاد بين هؤلاء وبين العالم الإسلامي حتى دالت الدولة للإفرنج في أكثر
الأرض، وبقي لمسلمي الأعاجم منهم ثلاث دول صغيرة قد بينا حالها في فاتحة
المجلد الثالث والثلاثين من المنار، وأما العرب فلم يبق لهم إلا هاتان الدولتان
الضعيفتان في اليمن والحجاز ونجد، وقد أحاط بهم الإفرنج من البر والبحر.
فهل كان يدور في خلد أحد يؤمن بكتاب الله تعالى وبمحمد رسول الله أن
يكونوا كاليهود الذين قال الله تعالى فيهم في عهد البعثة المحمدية: {بأسهم بينهم
شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} (الحشر: 14) في
الوقت الذي يؤسس فيه اليهود بإنفاقهم وحزمهم ملكا جديدا بنزع قطر عظيم من
الأقطار العربية من أهلها العرب يجلونهم عنه كما أجلى النبي صلى الله عليه وسلم
ثم خليفته الثاني رضي الله عنه أجدادهم من الحجاز ثم من خيبر وسائر جزيرة
العرب، وأن يخيب السعي لعقد محالفة بينهما من حيث يفوز الإنكليز بعقد معاهدة
مع (أحدهما) يقرهم بها على تسع مقاطعات من عقر مملكة اليمن تكاد تبلغ الثلث