مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)
رواه الشيخان وأصحاب السنن عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.
نصيحة المؤلف للرجال والنساء
في مسألة الزواج
إنني منذ ثلث قرن ونيف أدرس مسألة النساء والحياة الزوجية وأناقش فيها
أهل العلم والرأي، وأقرأ ما صنف فيها من الكتب، وأتتبع ما تنشره الصحف،
وأتدبر أخبار الإفرنج فيها، وكتبت فيها شيئا كثيرا أهمه تفسير آيات القرآن الكريم
في موضوعها، ومقالات الحياة الزوجية التي نشرت في مجلد المنار الثامن وآخرها
هذه الرسالة، وناظرت الدعاة إلى المساواة بين النساء والرجال في الجامعة المصرية
فحكمت لي الأكثرية الساحقة بالفلج وإصابة صميم الحق.
وإنني أعتقد بعد هذا الدرس الطويل العريض العميق، وما اقترن به من
الاختبار الدقيق، أن ما يراه الكثيرون من أهل الغرب والشرق من نوط السعادة
الزوجية بتعارف الزوجين قبل الزواج وعشق كل منهما للآخر هو رأي أفين،
أثبت الاختبار بطلانه، وأن تحاب الشبيبة لا ثبات له بعد الزواج غالبا، بل كانت
العرب تقول: إن الزواج يفسد الحب.
وإنما القاعدة الصحيحة لهناء الزوجية ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
رضي الله عنه لامرأة خاصمت زوجها إليه وصرحت له بأنها لا تحبه، فقال لها:
(إذا كانت إحداكن لا تحب الرجل منا فلا تخبره بذلك؛ فإن أقل البيوت ما بني
على المحبة، وإنما يتعاشر الناس بالحسب والإسلام) يعني التزام كل من الزوجين
لحفظ شرف الآخر، والعمل بما يرشد إليه الإسلام من الواجبات والآداب الزوجية
هو الذي تنتظم به الحياة الزوجية ويعيش الناس به العيشة الهنية.
وينبغي لكل من الزوجين أن يتكلف التحبب إلى الآخر بأكثر مما يجده له في
قلبه؛ فإن التطبع يصير طبعا، ورحم الله علية بنت المهدي أخت هارون الرشيد
حيث قالت: تحبب فإن الحب داعية الحب؛ فإنه في معنى قوله صلى الله عليه
وسلم: (العلم بالتعلم والحلم بالتحلم) .
هذه نصيحتنا نزفها إلى الرجال والنساء في هذا العصر الذي يشكو فيه العقلاء
إعراض الشبان عن الزواج، فمن وفقه الله تعالى للعمل بها منهم فسيرونها أعلى
وأفضل نصيحة يستحق صاحبها منهم الدعاء والشكر، ومن الله عز وجل المثوبة
والأجر.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(*) جاء في جريدة الجهاد بتاريخ 4 المحرم سنة 1351، 10 مايو سنة 1932 تحت عنوان جنون الطلاق في أمريكا ما نصه: (أكثر من نصف مليون رجل وامرأة وطفل يتغير مجرى حياتهم كل سنة بسبب حوادث الطلاق) هذا ما ذكر في بيان إحصائي أذاعته الحكومة الأمريكية وجاء فيه: إن أغلب حوادث الطلاق تقع عادة في العام الرابع بعد الزواج وأن قضايا الطلاق قد نقصت قليلا في العامين الأخيرين بسبب الأزمة الاقتصادية، وقد كان عدد هذه القضايا في سنة 1929 التي تعتبر من سنوات الرخاء 201.468 قضية حكم فيها بالفصل بين الزوجين ويفهم من هذا الإحصاء أن عشرين في المائة من حوادث الزواج في أمريكا تنتهي بالطلاق، وقد كانت حوادث الطلاق في سنة 1929 بمعدل حادث كل دقيقتين أما في سنة 1930 فقد نقصت الحوادث بنسبة لا بأس بها وقد ذكر البيان الآنف الذكر أنه في المدة بين سنة 1867 وسنة 1929 قد زاد عدد الطلاق بنسبة 2000 في المائة، وزاد عدد السكان بنسبة 300 في المائة، وحوادث الزواج بنسبة 400 في المائة وإذا ظل الحال على هذا المنوال واستمرت زيادة حوادث الطلاق بالنسبة الآنفة الذكر؛ فإن عدد الزيجات الفاشلة قد يربي في سنة 1965 على 51 في المائة والسبب الشائع في أكثر حوادث الطلاق هو العربدة وسوء المعاملة وعجز الأزواج عن الإنفاق وقد ذكر البيان المشار إليه أن 9 في المائة فقط من المطلقات يطلبن من أزواجهن نفقة شرعية، و6 في المائة منهن يحكم لهن بالنفقة.