تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرؤى الصالحة

وشهادة النبي صلى الله عليه وسلم لي في الرؤيا

ورؤية كل منا في صورة الآخر

إن الرؤى الصالحة التي رأيتها والتي رآها الناس لي كثيرة في جميع أطوار

عمري، ومنها ما كان يقع في اليقظة كما رأيته في النوم بعينه، وما كان تأويله

ظاهرا لا يحتمل المراء، والعباد وأهل الصلاح يهتمون بأمر هذا الرؤى ولا سيما

رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم والمشهورين من الصالحين، ومنهم الذين يتيهون

بها غرورا، وأحسن ما قيل فيها الحكمة المأثورة ولا أذكر قائلها: الرؤيا تسر ولا

تغر، ومن أحسن ما سرني من رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم القديمة أن سمعته

يقول لي: (اثبت على ما أنت عليه) وقد رأيته في هذا العام وندمت أن لم أكتب

هذه الرؤيا ولا أمثالها لأرويها بنصها.

وإنني أذكر أحدث ما رآني فيه أو رآه لي بعض الأحياء مع النبي صلى الله

عليه وسلم بنصه، فمنه ما رواه لي ابن عمي السيد عبد الرحمن عاصم عن رجل

حدثه في طرابلس الشام أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا فشكا له سوء

حال أمته وما فشا فيها من البدع والمعاصي وعدم تصدي أحد من العلماء ولا من

غيرهم للإنكار على أهلها وإرشادهم قال: حتى إن السيد محمد رشيد رضا مقصر،

أو كلمة بهذا المعنى.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن محمد رشيد يفعل في كل وقت ما

يرى أنه الواجب) .

وروي لي في السنة الماضية (سنة 1350) عن الفاضل الأديب الأستاذ

عمر الرافعي أحد أنجال علامة العصر وفقيهه وصوفيه الشيخ عبد الغني الرافعي

رحمه الله أنه رآني في الرؤيا بهيئة جميلة نورانية تمثلت له فيها بصورة النبي

صلى الله عليه وسلم قال للسيد عاصم: رأيت أن الناس في بلاد الشام في هرج

ومرج ينتظرون حضور السيد (إياي يعني) ليخطب فيهم خطبة تكون فيصلا في

موقفهم، ثم حضر السيد فسألته هل كتب الخطبة التي يريد إلقاءها؟ فقال: إنني

أخطب ارتجالا وليس من عادتي كتابة الخطب، قلت: إن هذه خطبة سيترتب

عليها عمل عظيم فينبغي كتابتها، وألحفت عليه في الرجاء بأن يملي علينا خطبته

لنكتبها فاستجاب لنا، وطفق يملي، وأنا أكتب فإذا تعبت ساعدتني (الخطاب للسيد

عاصم) ولما أتم السيد إملاءه أعجبت بالخطبة جد الإعجاب.

وطفقت أنظر إليه نظر الإجلال والإكبار، والسيد يزداد في نظري جمالا

ولطافة ونورانية حتى قلت له: أنت السيد رشيد أم النبي صلى الله عليه وسلم اه.

ثم نظمها وأرسل إلي ما نصه:

(عمر الرافعي يقدم لمعاليكم واجب التبريك بشهر رمضان المبارك، ويرجو

الله أن يديمكم منار حق وهدى لهذه الأمة، ويلهمكم الدعاء له في خلوة من خلواتكم مع

الله، ثم يقص على سيادتكم رؤياه التي رآها لكم حديثا وهي كما يأتي:

أعلامة الدنيا لك الله مرشدا ... بعلمك أهل الحق في الغرب والشرق

تمثلت لي مولاي (رؤيا) كقادم ... علينا خطيبا جاء يصدع بالحق

وما زلت تصفو في جمالك مشرقا ... صفاء منار الحق في مفرق الطرق

فأدهشني هذا الجمال الذي أرى ... ولم أره والله في سائر الخلق

فقلت بنفسي ذا رشيد مصدقا ... أم المصطفى؟ والله أعلم بالحق

عن طرابلس الشام ... ... ... ... 25 شعبان سنة 1351

ولقيت في أواخر شهر ذي القعدة من تلك السنة رجلا يريد الحق، ولم أكن

أعرفه بالرؤية ولا بالسماع فأخبرني أنه رآني في رؤيا فقصها على العلامة الشريف

الأستاذ السيد عبد الرحيم عنبر فقال له: إن هذه رؤيا صادقة ويحتمل أن يكون

الذي رأيته هو النبي صلى الله عليه وسلم فإنني أنا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم

في صورة السيد محمد رشيد رضا إلخ. وبعد أشهر زرت الأستاذ السيد عبد الرحيم

عنبر وسألته عن هذه الرؤيا فذكرها وقال لي: إنني كثيرا ما رأيت النبي صلى الله

عليه وسلم وقد رأيته مرة في صورتك وهي أبهى وأجمل مما أنت عليه ولكنها

صورتك.

وبعد كتابة ما تقدم بشهر، وقبل طبعه قص علي الأديب محمود أفندي

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٤٩