تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن الله

يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (المائدة: 3) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون

اليوم دينا. اه.

وقد احتج نصير البدع الشيخ يوسف الدجوي على شرعيتها في مجلة مشيخة

الأزهر بما جاء في بعض الأحاديث الواردة في جواب المؤذن وهو (إذا سمعتم

المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي) الحديث هكذا ذكر منه ما وافقه وعزاه

إلى صحيح مسلم - ونزيد عليه أنه رواه أحمد وأصحاب السنن أيضا إلا ابن ماجه

عن عبد الله بن عمرو - (ثم قال) : وإن المؤذن ممن سمع الأذان وكل من سمع

الأذان طلب منه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وأقول: إن هذا قد ذكره

الفقهاء المتأخرون، وزاد هو عليهم أنه مخير في هذه الصلاة من وصلها بالأذان مع

رفع الصوت وعدمه، وهذه الشبهة مردودة من وجوه:

(أولها) أن من المعلوم بالاختبار أن المؤذنين يقلد بعضهم بعضا في هذه

الزيادة ولا يقصدون بها اتباع هذا الحديث ولا غيره مما ورد في إجابة المؤذن ويقل

فيهم من يعرفها. وتتمة هذا الحديث: (

....

ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في

الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة

حلت عليه الشفاعة) والمؤذنون لا يسألون له الوسيلة، ولم يذكر الشيخ الدجوي

هذه التتمة؛ لأنها تدحض شبهه.

(ثانيها) أن المؤذن لو كان يأتي بهذه الصلاة لإجابة نفسه عملا بالسنة لأتى

بكل ما ورد في السنة من الأدعية في هذه الإجابة وأشهرها في هذه الإجابة الدعاء

المفسر لطلب الوسيلة في الحديث الذي احتج به، وهو كما في حديث آخر أصح

منه (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة،

آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم

القيامة) رواه أحمد والبخاري وأصحاب السنن من حديث جابر بن عبد الله.

(ثالثها) أن وصلها بالأذن مع رفع الصوت يوهم من لا يعرف السنة فيه

أنها منه، أو أنها مشروعة. وقد قال المقريزي: إن العامة وأهل الجهالة يرون أن

هذه الزيادة من جملة الأذان الذي لا يحل تركه، وأكثر الناس في هذا العصر

يجهلون السنة؛ فلذلك ينكرون على من أذن الأذان الشرعي مقتصرا عليه، ولم يزد

عليه هذه الصلوات والتسليمات، ويطعنون فيه وفيمن ينكر هذه الزيادة أو العلاوة

بأنه عدو للرسول صلى الله عليه وسلم فانقلب الشرع، وانعكس الوضع، وصار

الذي يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ويؤذن كما كان يؤذن المؤذنون له ولخلفائه

الراشدين يعد عدوا له، والمبتدع في ملته، المخالف لسنته، المتبع لذلك الفقير

الخلاط المفتري على النبي صلى الله عليه وسلم وللبرلسي المحتسب الفاسق هو

التقي المتبع له صلى الله عليه وسلم وهذا شر غوائل هذه البدع.

(رابعها) أن الذي فهمه الصحابة ومنهم مؤذنو المصطفى صلى الله عليه

وسلم أن إجابة المؤذن بقولهم مثل ما يقول إلا الحيعلتين فيقول عندهما: (لا حول

ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة

له وسائر الأدعية هي من الأذكار التي يقولها كل سامع له منفردا بخفض الصوت،

فلم يرو أحد من المحدثين عن مؤذنيه صلى الله عليه وسلم ولا مؤذني خلفائه

الراشدين ولا مؤذني خير القرون ولا عن غيرهم من الصحابة والتابعين أنه رفع

صوته بذلك كالأذان فضلا عن وصل المؤذنين له بالأذان ولا ما دون الأذان مما

ورد فيه رفع الصوت كإقامة الصلاة وهي الأذان الثاني فعلينا اتباعهم، ورفع

الصوت فيه خلاف الأصل فلا يتوقف إنكاره على نهي الشارع عنه، ولو كان

مشروعا لجاز لأهل المسجد عند الأذان والإقامة أن يرفعوا أصواتهم بإجابتها بمثل

صوت المؤذن، ومن ذا الذي لا يقول: إن هذا عمل منكر؟ ومن ذا الذي ينكر

على المؤذن أن يأتي بالأذكار المأثورة في إجابته وهو منصرف من الأذان بصوت

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٥١