المؤتمر الإسلامي العام في بيت المقدس
(2)
ما تجب مراعاته في عقد المؤتمر الثاني:
لا يجوز أن تتضمن المؤتمرات الإسلامية العامة التي تعقد لمعالجة مصالح
المسلمين الدينية والمدنية ما ليس موضوعا لها من تأييد حزب على حزب، ولا
شعب إسلامي على حكومته، ولا إقرار استبداد حكومة في شعبها، ولا يجوز أن
يسمح لرئيس ولا زعيم أن يكون له هوى شخصي في مؤتمر إسلامي يستعلي به
على خصومه في الجاه والعظمة.
ولا يجوز أن يكون اختلاف الرأي بين الذين يعقدون المؤتمرات الإسلامية
لإحياء هداية الإسلام وإعادة مجده ومصلحة شعوبه - سببا للتعادي والتخاصم، وقد
عرض لمؤتمر القدس الأول شيء من هذه الشوائب.
التمهيد لعقد المؤتمر الثاني منوط باللجنة التنفيذية، فالواجب عليها قبل غيرها
أن تراعي فيه ما ذكرنا، وإذا رجحت عقده في القدس لعدم المانع فالواجب عليها أن
تسعى لعقد الصلح بين الفريقين المتنازعين في فلسطين الذين يلقبون بالمجلسيين
والمعارضين، وإلا كان محاولة عقده فيها مثار فتنة قد تكون سببا لمنع الحكومة
الإنكليزية إياه إن لم يكن لديها سبب آخر للمنع.
نعم إن جمهور أهل فلسطين وسورية الشمالية ولبنان الذين يعنون بأخبار
السياسة المصرية يميلون إلى الوفد المصري ويحبون زعماءه؛ لأنهم يشاركونهم في
احتمال الآلام من نفوذ الاستعمار الأجنبي ويعدونهم قدوة لهم في معارضته
ومناهضته، وفي مقاومة كل حكومة وطنية تواتيه وترضيه، وليس من شأن
المؤتمر أن ينكر عليهم رجاله هذا الميل والشعور؛ لأنه حق طبيعي لهم، ولا أن
يجعلوا المؤتمر مظهرا له فيه؛ لأنه ليس مما يعقد له المؤتمر من المصالح
الإسلامية التي يجب استمالة جميع الشعوب الإسلامية وحكوماتها لمساعدتها، واتقاء
سخط أحد منهم على شيء منها بقدر الطاقة، وأهمها الشعب المصري المجاهد
والحكومة المصرية مهما تكن صفتها في بلدها، وكذا جلالة ملك مصر مهما يكن
شكل حكومته وصفتها؛ فإن لعطف جلالته ومساعدته قيمة كبيرة لا يعدلها غيرها.
وجملة القول: إنه يجب على اللجنة التنفيذية أن تعنى أشد العناية بجعل التمهيد
للمؤتمر الثاني مقنعا لجميع المسلمين بخلوه من الشوائب التي أشرنا إليها، وتجعل
نصب عينيها قاعدة الأستاذ الإمام الحكيمة (ما دخلت السياسة في عمل إلا أفسدته) .
جمعية الرابطة الإسلامية ومؤتمرها وناموسها:
بعد كتابة ما تقدم تتمة لما نشر في الجزء الماضي من المنار وضيق الجزء
عنه شاع أن صاحب السمو الأمير عباس حلمي باشا خديو مصر السابق ألف في
جنيف (سويسرة) جمعية باسم (الرابطة الإسلامية) من موضوعها عقد مؤتمرات
إسلامية دورية، ثم علمنا أن سموه جعل السيد ضياء الدين الطباطبائي الإيراني
ناموسا (سكرتيرا) عاما لهذه الرابطة، وكانت اللجنة التنفيذية للمؤتمر الإسلامي
العام الأول قد اختارت هذا السيد ناموسا عاما لها، فتردد في القبول وسافر إلى
أوربة واعدا بأن يكتب إلى رئيس المؤتمر بما يستقر رأيه عليه من القبول وعدمه،
فلما تبين أنه قبل العمل مع سمو الأمير عباس حلمي صار قبوله العمل في لجنة
مؤتمر القدس مشكلا، فإن كتب إلى رئيسه بالقبول وجب على الرئيس أن يستشير
أعضاء اللجنة كلهم أينما كانوا في أمره؛ فإن ما بلغنا من أخبار جمعية الرابطة
الإسلامية يقتضي أن يعمل هذا الناموس لإدغام اللجنة التنفيذية لمؤتمر القدس في
جمعية الرابطة الإسلامية الأوربية وتفويضه أمر المؤتمر الثاني إليها بحجة اتساع
دائرة أعمالها ووفور ثروتها وحرية مركزها العام، وهذا يتوقف على قرار رسمي
من اللجنة التنفيذية ولا يملك المؤتمر الأول البت فيه، وهو لما يجمع اللجنة
التنفيذية ولا ألف مكتبها، ولا ريب أنه يتعذر على السيد الطباطبائي أن يقوم بأعباء
وظيفته في القدس ووظيفته في جنيف معا.
إن الأمير عباس حلمي هذا من أعظم أمراء المسلمين حنكة واختبارا وهمة