تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله تعالى.

ومن يعلم أخبار الأسفار في هذا العصر، وما يكون دائما من تأثير اجتماع

النساء والرجال في البواخر والفنادق الكبيرة؛ فإنه يفقه من حكمة هذا النهي أن

السفر الطويل والقصير سواء في عدم خروج المرأة فيه مع غير ذي محرم، ولا

يبيح لنا الأدب أن نذكر في هذه الرسالة شيئا مما سمعناه في ذلك، وقد ذكر رجل

للنبي صلى الله عليه وسلم حين نهى عن ذلك أن امرأته تريد الحج، وهو يريد

الجهاد، فأمره أن يترك الجهاد ويسافر مع امرأته.

وجملة القول أن سفر المرأة واجتماعها بالرجل الأجنبي في الخلوة وستر

شعرها وما عدا الوجه والكفين عنه كله يدخل في سد ذرائع تعديه عليها، وإفساده

لها، أو إغوائها إياه، وما يحرم عليها منه يحرم عليه، وعقابهما في الآخرة سواء؛

ولكن سوء عواقب هذا الفساد في الدنيا أشد على المرأة في صحتها وفي شرفها

ومكانتها في المجتمع الإنساني.

57- مسألة حجب نساء الأمصار

وتحرير القول فيها

كل ما استحدثه الناس في المدن والقرى الكبيرة من المبالغة في حجب النساء

فهو من باب سد الذريعة، لا من أصول الشريعة، فقد أجمع المسلمون على شرعية

صلاة النساء في المساجد مكشوفات الوجوه والكفين، وأجمعوا على إحرام النساء

بالحج والعمرة كذلك، نعم إنهن كن يصلين الجماعة وراء الرجال؛ ولكنهن كن

يسافرن مع الرجال محرمات ويطفن بالبيت كذلك، ويقفن في عرفات ويرمين

الجمار على مشهد من الرجال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين،

وكن يسافرن مع الرجال إلى الجهاد ويخدمن الجرحى ويسقينهم الماء ومنهن نساء

النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وقد قاتل نساء المهاجرين مع الرجال في

واقعة اليرموك. وكن يخدمن الضيوف، ويقاضين الرجال إلى الخلفاء والحكام.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الرجل الذي يريد خطبة امرأة أن ينظر

إليها ولو بدون علمها مع منع التجسس على النساء والتطلع إلى عوارتهن، وقد

اختلف العلماء فيما ينظره الخاطب فاتفقوا على الوجه والكفين، وقال الأوزاعي ينظر

إلى مواضع اللحم، وقال داود يجوز النظر إلى جميع البدن، والمتبادر من الإذن

بالنظر إليها - وإن لم تعلم - أن يراها في حالها العادية في بيتها، ويؤيده حديث جابر

عند أحمد وأبي داود قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا خطب

أحدكم المرأة فقدر أن يرى منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل) وروى عبد الرزاق

وسعيد بن منصور أن عمر خطب إلى علي بنته أم كلثوم، فذكر لها صغرها، فقال

أبعث بها إليك فإن رضيت فهي امرأتك، فأرسل بها إليه فكشف عن ساقها فقالت:

لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينيك.

وأجمع المسلمون على جواز شهادة المرأة للنص عليه في كتاب الله وأمره

باستشهادهن، وعلى صحة بيعها وشرائها وسائر تصرفاتها فيما تملك، وعلى تلقيها

العلم عن الرجال وتلقيهم عنها على تفصيل في أحكام فرض العين وفرض الكفاية

والمندوب فيه، وراويات الحديث منهن كثيرات من نساء الصحابة والتابعين وخير

القرون وقليلات بعد فيما بعدها، وأسماؤهن مدونة في كتب التاريخ ونقد الرواة،

وما كان يكون شيء من ذلك من وراء حجاب إلا ما كان من أزواج النبي صلى الله

عليه وسلم بعد نزول آية الحجاب الخاصة بهن بالنص الصريح وبتعليل الحكم،

وأخطأ من قال إنه يجري فيها قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فإن

لفظها خاص لا عام، دع ما أجازه بعض الأئمة من تزويج المرأة نفسها وغيرها

وتوليها القضاء.

ومن دلائل السنة على عدم وجوب ستر الوجه حديث المرأة الخثعمية ونظرها

إلى الفضل بن العباس ونظره إليها وهو مروي عن ابن عباس في الصحيحين

والسنن وعن علي عند الترمذي وحاصله في جملة الروايات أن الفضل كان رديف

رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فعرضت للنبي صلى الله عليه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٧٦