تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلحاد في القرآن

ودين جديد بين الباطنية والإسلام

المقالة الرابعة

السنن الكونية الاجتماعية ونظام الكون

لقد أكثر هذا الملحد من ذكر السنن الإلهية ونظام الكون في هوامشه ومقدمتها،

وجعلها هي المستند له في جحود آيات الله تعالى التي أيد بها رسله، وتحريف

الآيات الواردة فيها وفي أخبار عالم الغيب كما تقدم، وقد وعدنا بإظهار جهله في

هذه المسألة فنقول:

إننا بفضل الله قد انفردنا دون سائر المفسرين بالكلام على هذه السنن والنظام

الإلهي في تفسيرنا ومجلتنا، وهو قد سمع ذلك منا ولكنه لم يفهمه، بل لبسه

كالفرو مقلوبا، ونكس على رأسه فاتخذه منكوسا، نحن قد أوردناه لتقوية الإيمان،

والحجة على إعجاز القرآن، فجعله هو شبهة على الإيمان بالغيب وجحود آيات

الأنبياء عليهم السلام، وما أوردناه من تأويل لبعض ما يحتمل التأويل على طريقة

المتكلمين، قصدنا به تقريبه من عقول الجامدين على المألوف من النظريات

العقلية أو العلمية، لئلا يردوا النصوص بها فيرتدوا، وقد صرحنا مرارا بأن الذي

ندين الله به من أخبار عالم الغيب، وما في معناها من آيات الله تعالى في الخلق،

هو الإيمان بما صح منها بلا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، وقد جعلها هذا الملحد

قانونا لتحريف ما لا يحتمل التأويل، كما قال الله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ

فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} (آل عمران: 7) الآية،

فوجب أن نأتي بخلاصة في المسألة مما نشرناه في مواضع متفرقة في المنار

وتفسيره، ونقفي عليها بتفنيد ضلالته فيها، فنقول:

قد أخبر الله تعالى في مواضع من كتابه بأن له سننا في عباده والأقوام الذين

بعث فيهم رسله، وأن سننه لا تبديل لها ولا تحويل، وأخبر أيضا بأنه أحسن كل

شيء خلقه، وأتقن كل شيء، وأن كل شيء عنده بمقدار، وأن خلقه في منتهى

الإحكام والنظام.

فما بينه الله تعالى من أنواع هذه السنن، كنصره لرسله على الجاحدين

المعاندين لهم، ومن إهلاكه للظالمين، ومن تدميره على الفاسقين المفسدين - فهو

كما قال تعالى.

وكذا ما بينه من نظام الخلق ومقاديره، ككون الشمس والقمر بحسبان، وما

جعله لهما في السماء من المنازل والبروج، ومن كونها لا تفاوت فيها من فطور ولا

فروج، فهو كما قال عز وجل.

وأما ما لم يبينه لنا من ذلك في كتابه بنوعه أو عينه، فالطريق إلى معرفته هو

ما أرشدنا إليه من النظر في ملكوت السموات والأرض، وما خلق من شيء،

والتأمل في آياته في الآفاق وفي أنفسنا، والسير في الأرض لمعرفة آثار من قبلنا

وكذا من في عصرنا بالأولى.

قد أرشدنا كتاب الله عز وجل إلى كل هذا، وقد أشرنا في مواضع من المنار

وتفسيره إلى ما هو ثابت بالحس من أن أعلم الناس بسنن الله وحكمه ونظمه في

خلقه هم أكثرهم انتفاعا بهذا العلم، واهتداء به إلى تسخير هذا الكون.

سنن الله مادية وروحية:

وبينا أيضا أن هذه السنن وهذا النظام والتقدير والإحكام والتدبير، عام في كل

ما خلقه تعالى من عالمي الغيب والشهادة، أو عالمي الأجساد والأرواح، أو المادة وما

وراء المادة، على اختلاف الاصطلاح.

وصرحنا بأن ما أيد به تعالى رسله من المعجزات، وكذا ما دون ذلك من

خوارق العادات التي تسمى الكرامات، إذ لم يكن جاريا على سنن النظام المألوف في

القوى الجسدية والنظم المادية، فقد يكون جاريا على السنن الروحية والمقادير

الغيبية، وقد يكون بمحض القدرة الكاملة، فهو مزيد كمال في قدرته وحكمتها لا نقضا

لهما، ولا نقصا فيهما.

فإذا لم يكن من سنته تعالى في حياة الجسد إذا فقدت بالموت أن تعود إلى

الميت؛ فإن هذه السنة السلبية لا تنافي أن يهب الله تعالى بعض خواص الروحانيين

من خلقه، كالملائكة أو المسيح الذي خلقه بالنفخ من روحه في أمه أن يمد بهذا

الروح القوي ميتا كألعازر أو البنت اللذين روت الأناجيل خبر إحيائه إياهما،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٠