نداء للجنس اللطيف
يوم ذكرى المولد المحمدي الشريف
من سنة 1351
في حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام
تابع لما نشر في الجزء الماضي وما قبله
58- بر الوالدين وتفضيل الأمهات فيه على الآباء
أوصى الله تعالى في مواضع من كتابه بالإحسان بالوالدين وقرنه بالأمر
بعبادته والنهي عن الشرك به، وأمر بالشكر لهما متصلا بالشكر له، وخص الأم
بالذكر في بعض هذه الوصايا للتذكير بزيادة حقها على حق الأب، ونذكر ههنا
أجمعها.
قال تعالى في سورة الإسراء: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين
إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل
لهما قولا كريما} (الإسراء: 23) .
(الأف) كل مستقذر من وسخ وقلامة ظفر وما يجري مجراهما، ويقال لكل
مستخف به استقذارا واحتقارا له كما قال الراغب وكذا لكل ما يتضجر منه، يقال:
تأفف به: إذا قال له: أف، ومنه {والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج
وقد خلت القرون من قبلي} (الأحقاف: 17) وخص هذا النهي بحالة كبر
الوالدين أو أحدهما؛ لأن الكبر مظنة وقوع ما يتضجر منه أو يستقذر منهما، وهو
يدل على تحريم ذلك في غير هذه الحالة بالأولى، والنهر والانتهار: الزجر بغلظة
وخشونة، والكريم من الأقوال: آدبها وألطفها، ومن الأعمال أنفعها وأشرفها، ومن
الأشخاص أفضلهم وأجلهم.
{واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا
* ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا} (الإسراء: 24-25) .
يعبر عن العطف في المعاملة بخفض الجناح، وأصله أن الطائر يخفض
جناحه لفرخه يقيه به تارة ويعلمه الطيران أخرى، وخفض الجناح من الذل أبلغ
من خفضه لأجل العطف، فهذا من رعاية الكبير للصغير ومنه قوله تعالى لرسوله:
﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ (الشعراء: 215) وذاك من عناية
الصغير بالكبير، ولم يؤمر أحد به لغير الوالدين، وفي تشبيه ما أمر الولد أن
يطلبه من رحمة ربه لوالديه برحمتهما له عندما ربياه في صغره تعظيم كبير لرحمة
الوالدين ليتدبر الأولاد ذلك ويعلموا أن رحمتهم لوالديهم في الكبر والتذلل لهما لا
يكفي في أداء حقوقهما؛ وإنما عليهم أن يدعوا الله تعالى أن يكافئهما عنهم برحمته
التي وسعت كل شيء ولا يعلوها شيء، ذلك بأن رحمة الوالدين للولد في صغره
ولا سيما الأم التي تتولى إزالة أقذاره وغير ذلك إنما تكون مع اللذة والرغبة
والسرور، ولن تبلغ رحمة الولد بهما هذا الحد.
ولما كان بلوغ هذا الحد من البر والإحسان بالوالدين عزيز المنال ذكر الله
عباده بأن المدار فيه على حسن النية وصلاح النفس، فإن وقع مع ذلك تقصير ما
فإنه لا بد أن يقرن بالتوبة وحسن الأوبة إلى التشمير بعد التقصير، والله تعالى
غفور للأوابين أي الكثيري الرجوع إلى الحق والخير كلما عرض لهم ما يصدهم
عن المضي فيه أو الثبات عليه.
وقال تعالى في سورة لقمان: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على
وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} (لقمان: 14) .
الوهن: الضعف، أي ذات وهن أوتهن مدة حمله وهنا على وهن بالوحم
والأثقال والوضع، وفصاله أي فطامه في انتهاء عامين يكون كل همها فيهما إرضاعه
وتغذيته وتنظيفه، والجملتان معترضتان بين الوصية والموصى به وهو الشكر لله
الذي خلقه ولوالديه اللذين عنيا بتربيته ولا سيما الأم التي كانت أكثر تعبا وعناية به،
فقرن شكرهم بشكر الله تعالى وجعله ثانيه للإيذان بأن فضلهما عليه يلي فضل ربه
وقوله بعده: ﴿إلي المصير﴾ (لقمان: 14) تذكير بأن جزاء الشكر وضده في
الآخرة لله وحده.
{وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما
في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} (لقمان: 15) .