المحرم - 1351ه
مايو - 1932م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
نهضة جديدةلإحياء لغة الإسلام العربية
في البلاد الهندية
لعل صاحب هذه المجلة (المنار) أول من فطن في هذا القرن لما غفل عنه
المسلمون منذ بضعة قرون من كون الإسلام قد جعل اللغة العربية لغة لجميع
المسلمين بالتبع لدينهم الذي هو كتاب الله المنزل بلسان عربي مبين، وسنة رسوله
العربي الكريم، وإن هذا أمر مجمع عليه بين المسلمين وجرى الخلفاء الراشدون
والأمويون والعباسيون على تنفيذه في جميع الشعوب غير العربية إلى أن قوي
الأعاجم وصار لهم دول تتعصب للغاتها وترجحها على لغة دينها بجهل ملوكها
وحكامها بحقيقة الإسلام وبنائه على أساس الوحدة الدينية والاجتماعية والسياسية
التي تحقق أخوة الإسلام وكون أهله أمة واحدة لا يفرق بينهم جنس ولا وطن ولا
لغة.
دعونا المسلمين إلى إحياء لغة دينهم منذ عشرات السنين، وكان أكبر أملنا في
إجابة هذه الدعوة من قبل الشعوب الأعجمية الشعب الهندي؛ لأن تمسكه بلغته
الأوردية ليس مقترنا بعصبية دولية كعصبية الفرس والترك، بل عصبيته الإسلامية
أقوى من كل عصبية؛ وإنما كان جعله التعليم العام بلغته الوطنية وجعله العربية
لغة علماء الدين فقط لأسباب عارضة لا محل هنا لبسطها، وطالما كلمت العلماء
والزعماء منهم الذين كنت ألقاهم بمصر في وجوب إحياء اللغة العربية في بلادهم،
فيعترفون بالوجوب ويعتذرون بالعجز عن أداء هذا الواجب.
ولما زرت الهند في سنة 1330 إجابة لدعوة جمعية ندوة العلماء لرياسة
مؤتمرها العام كلمت كثيرا منهم في هذا الواجب، ونوهت به في بعض الخطب
العامة التي ألقيتها في معاهد العلم، ولا سيما مدرسة ديوبند العلماء فرأيت منهم
قبولا وارتياحا.
وأبشر العالم الإسلامي اليوم بأنه قد وصل إلينا قبل إتمام تحرير هذا الجزء من
المنار - الذي تأخر صدوره عن وقته ليصدر مع الذي بعده - مجلة عربية أنشئت
في لكنهؤ مركز ندوة العلماء باسم (الضياء) لأجل هذا الغرض، وجعلت تحت
إشراف صديقينا الأستاذين الجليلين السيد سليمان الندوي والعلامة الشيخ تقي الدين
الهلالي المغربي؛ فإننا نعجل بنشر فاتحتها للأول في هذا الجزء وهذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
طلوع الضياء
(بقلم العلامة الجليل الأستاذ السيد سليمان الندوي رئيس دار المصنفين)
باسمك اللهم نفتتح وبك نستعين، فنعم الفاتح أنت ونعم المعين، فاشرح لنا
ربنا صدورنا، ويسر لنا أمورنا واهدنا سبيل الرشاد، وألهمنا طريق السداد،
واحلل عقدة من لساننا ليفقهوا قولنا، ونصلي ونسلم على النبي العربي الأمين،
الذي أنزل عليه الكتاب بلسان عربي مبين.
وبعد، فللإسلام مزايا تفوت الإحصاء دررها، وتستغني عن الأنباء غررها،
إحداها أنه دين وحدة الشعوب والأمم، ودين مؤاخاة البشر، والنصيحة لعامة
الصالحين، ومن الوسائل التي اتخذها لتحقيق بغيته هذه أن جعل للمؤمنين بقرآنه
والخاضعين لسلطانه، على اختلاف ألسنتهم وبلدانهم، وجنسياتهم وألوانهم، لغة
خاصة وهي لغة كتابه المنزل من السماء يتفاهمون بها معاني القلوب، ويتعارفون
بها [1] هواجس الأفكار، ويخطب بعضهم مودة بعض، فهي على تقلب من الأحوال
لغة عصبة الأمم الإسلامية منذ قرون وأجيال
قد رأى الآن رجال من النصارى الإفرنج في حلمهم أن يدعوا أممهم إلى الوحدة
الإنسانية، والمودة البشرية، فأحدثوا لغة واحدة يسهل عليهم أخذها، يتحادثوا (؟)
بها الأقوام، وينادوا (؟) بها إلى الالتحام؛ ولكن أولي النهى ممن يرون العواقب
رأي العين يفتون أن لا بقاء للغة إلا إذا كانت لها دعائم من الدين والسياسة يتعصب
لها ذووها، ويسعى لها بنوها، وإن الإسلام قد قضى وطره منها منذ خلق، فجعل
لأممه المنتشرة في أكنان الأرض مشارقها ومغاربها لغة تعم أطرافها، وتضم أشتاتها،